رام الله /PNN/ أكد مشاركون في حلقة نقاشية ضمن برنامج "صوت الشباب" عبر شبكة وطن الإعلامية أن الشباب الفلسطيني ما زالوا يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى مواقع التأثير داخل المؤسسات الإعلامية، رغم أنهم يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع الفلسطيني والأكثر حضوراً على المنصات الرقمية.
وشددت الإعلامية سمر ثوابتة ومدير عام مؤسسة "ريفورم" عدي أبو كرش على أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود الشباب في المشهد الإعلامي، بل بمدى قدرتهم على التأثير والمشاركة في صناعة القرار والمحتوى والسياسات التحريرية.
وقالت ثوابتة إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان الشباب موجودين في الإعلام، بل ما إذا كانوا يمتلكون القدرة على التأثير داخله.
وأضافت: "الشباب حاضرون عدداً، لكن هل هم حاضرون بأثر؟ لدينا الكثير من علامات الاستفهام حول هذا الموضوع، فنحن ما زلنا نتعامل مع الشباب باعتبارهم أصحاب مشكلات أو جمهوراً مستهدفاً، وليس باعتبارهم شركاء حقيقيين في صناعة القرار وصناعة المحتوى."
وأشارت إلى أن الهيمنة ما تزال بيد الأجيال الأكبر سناً داخل العديد من المؤسسات الإعلامية، الأمر الذي يحدّ من فرص مشاركة الشباب في رسم السياسات التحريرية وتحديد الأولويات الإعلامية.
وقالت: "الشباب لا يُنظر إليهم كشركاء في وضع الأجندات أو اقتراح الزوايا والمواضيع، بل يُنظر إليهم غالباً كجمهور متلقٍ، بينما يتم استبعادهم من النقاشات المتعلقة بالشأن العام والقضايا السياسية الكبرى."
وأكدت أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة مع الشباب أنفسهم، مضيفة: "هناك جزء من الشباب لا يطالب بحقه في المشاركة، لكن في المقابل هناك مؤسسات ما زالت مغلقة أمامهم ولا توفر فرصاً حقيقية للوصول إلى مواقع القرار."
من جانبه، رأى مدير عام مؤسسة "ريفورم" عدي أبو كرش أن الأزمة أعمق من مجرد تمثيل الشباب في وسائل الإعلام، وترتبط بتراجع المساحات المدنية والسياسية المتاحة لهم بشكل عام.
وقال: "المجتمع الفلسطيني يعاني من تضييق على المساحات المدنية، وهذا انعكس مباشرة على الإعلام. عندما تتراجع المشاركة السياسية وتتقلص المساحات العامة، يصبح من الطبيعي أن تتراجع مرئية الشباب في الإعلام أيضاً."
وأضاف أن العديد من المؤسسات الإعلامية الفلسطينية لا تملك برامج حقيقية موجهة للشباب أو مبنية على احتياجاتهم الفعلية.
وأوضح: "لا يمكن أن أتحدث عن حقوق الشباب وهمومهم من دون أن أوفر لهم منصة يتحدثون من خلالها بأنفسهم. المشكلة ليست في الشباب، بل في غياب المساحات التي تمكنهم من المشاركة والتأثير."
وفي معرض حديثه عن طبيعة المحتوى الإعلامي الموجه للشباب، انتقد أبو كرش حصر القضايا الشبابية في ملفات محددة مثل البطالة والهجرة.
وقال: "الشباب ليسوا مجموعة من المشكلات فقط. لديهم رؤى وأفكار وتطلعات ومواقف سياسية وثقافية وفنية ورياضية، لكننا ما زلنا نتعامل معهم باعتبارهم ملفاً اجتماعياً أو اقتصادياً فحسب."
من جهتها، أكدت ثوابتة أن وسائل الإعلام غالباً ما تتناول الشباب من زاوية المشكلات أو قصص النجاح الفردية فقط، دون تبني سياسة مستدامة لإشراكهم في النقاشات العامة.
وأضافت: "نتحدث عن الشباب عندما تكون هناك بطالة أو هجرة أو مناسبة خاصة بالشباب، لكننا لا نستضيفهم للحديث عن الحريات أو العدالة أو الهوية أو مستقبل النظام السياسي، رغم أنهم جزء أساسي من هذه القضايا."
وشهدت الحلقة نقاشاً حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حضور الشباب، حيث اعتبر الضيفان أن المنصات الرقمية وفرت مساحة أكبر للتعبير مقارنة بالإعلام التقليدي، لكنها في الوقت نفسه أوجدت تحديات جديدة.
وقالت ثوابتة: "منصات التواصل الاجتماعي منحت الشباب مساحة مفتوحة للتعبير، لكننا في الوقت نفسه نواجه فوضى رقمية وخطاب كراهية ومعلومات مضللة، وهذا يتطلب جهوداً للتوعية والتنظيم دون المساس بحرية التعبير."
كما حذرت من تعدد أشكال الرقابة التي يواجهها الشباب، مشيرة إلى أن الرقابة لا تقتصر على السلطات الرسمية فقط.
وأضافت: "هناك رقابة سياسية واجتماعية وعشائرية ومؤسساتية، إضافة إلى رقابة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وكل ذلك يخلق حالة من الخوف تؤدي إلى رقابة ذاتية لدى الشباب."
بدوره، شدد أبو كرش على أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست بديلاً كاملاً للإعلام التقليدي.
وقال: "السوشال ميديا أداة تأثير مهمة جداً، لكنها ليست بديلاً عن الإعلام المهني. الشباب يلجؤون إليها لسرعة الوصول للمعلومة، لكن الإعلام التقليدي يبقى أكثر قدرة على التحقق والتدقيق وبناء الثقة."
وأضاف: "المشكلة ليست في وجود الإعلام التقليدي أو التواصل الاجتماعي، بل في عدم قدرة المؤسسات على الجمع بينهما بطريقة تضمن مشاركة الشباب وإنتاج محتوى يعكس اهتماماتهم الحقيقية."
وفي ختام الحلقة، دعا الضيفان إلى إحداث تغيير حقيقي في بنية المؤسسات الإعلامية يتيح للشباب الوصول إلى مواقع صنع القرار.
وقالت ثوابتة: "نحتاج إلى وجود الشباب في غرف الأخبار والتحرير وفي المجالس الاستشارية ومواقع اتخاذ القرار، لا أن يقتصر دورهم على التنفيذ فقط."
فيما أكد أبو كرش أن التغيير يبدأ من المؤسسات نفسها، مضيفاً: "المطلوب من وسائل الإعلام أن تفتح مساحات أصيلة وحقيقية للشباب. عندما تتوفر المساحة، سيحضر الشباب بأفكارهم وإبداعهم وتأثيرهم، أما استمرار النظر إليهم كفئة تحتاج إلى المعالجة فقط فلن يغير شيئاً من الواقع."
واعتبر المشاركون أن تعزيز حضور الشباب في الإعلام الفلسطيني لم يعد ترفاً أو خياراً، بل ضرورة لضمان تمثيل فئة تشكل الأغلبية في المجتمع الفلسطيني وتمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام وصناعة المستقبل.
