في السياسة، ليست الهزيمة دائمًا خسارة الأرض، كما أن الصمود العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق مكسب سياسي. فهناك لحظات تاريخية تعيد صياغة البيئة الاستراتيجية بأكملها، بحيث تصبح الأدوات التي نجحت في مرحلة معينة عاجزة عن التعامل مع واقع جديد. ويبدو أن الحرب على غزة لم تغيّر فقط شكل القطاع وحجم الدمار الذي لحق به، بل غيّرت أيضًا طريقة تفكير القوى الإقليمية والدولية في مستقبل غزة، وربما في مستقبل القضية الفلسطينية برمتها. من هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى إعلان حركة حماس حل اللجنة الإدارية باعتباره مجرد قرار تنظيمي أو بادرة مرونة سياسية، بل باعتباره محاولة للتكيف مع واقع جديد لم تعد الحركة هي من يرسم قواعده. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل جاء هذا الإدراك متأخرًا؟ أم أن الحركة ما زالت تراهن على أن التكتيكات التي نجحت في الماضي قادرة على إنقاذها في مرحلة مختلفة تمامًا؟
لقد قامت استراتيجية حماس، منذ سيطرتها على قطاع غزة، على فرضية مفادها أن السيطرة الفعلية على القطاع تمنحها موقعًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية مستقبلية، وأن أي تسوية ستنتهي، عاجلًا أم آجلًا، إلى الاعتراف بها بوصفها الطرف الحاكم أو الشريك الذي لا يمكن تجاوزه. وربما كان لهذه الفرضية ما يبررها في مراحل سابقة، لكن الحرب الأخيرة أعادت تشكيل البيئة السياسية بصورة جذرية.
فالنقاش اليوم لم يعد يدور حول كيفية التعايش مع حكم حماس، بل حول كيفية إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وأصبحت ترتيبات "اليوم التالي"، وإعادة الإعمار، والإدارة المدنية، والترتيبات الأمنية، والجهة التي ستتولى إدارة القطاع، محورًا للنقاش الإقليمي والدولي. كما أن كثيرًا من التصورات المطروحة تنطلق من أن النموذج الذي حكم غزة قبل الحرب لم يعد قابلًا للاستمرار بالصورة نفسها.
في هذا السياق، يبدو إعلان حل اللجنة الإدارية أقرب إلى استجابة لضغوط البيئة السياسية الجديدة منه إلى مبادرة مستقلة نابعة من مراجعة استراتيجية شاملة. فالحركة لم تُقدّم حتى الآن مراجعة فكرية أو سياسية واضحة لتجربتها في إدارة القطاع، ولم يصدر عنها نقد ذاتي يفسر كيف تنظر إلى المرحلة السابقة أو إلى مسؤوليتها السياسية عنها. ولذلك، يصعب على كثيرين اعتبار الخطوة تحولًا استراتيجيًا، ما دامت منفصلة عن مراجعة أوسع تمس فلسفة إدارة السلطة وآليات اتخاذ القرار.
وهنا تكمن جوهر أزمة الثقة. فالتشكيك الذي رافق الإعلان لا يعود فقط إلى الانقسام السياسي أو إلى مواقف الخصوم، بل إلى تراكم تجربة طويلة مع الحركة. فقد شهد الفلسطينيون خلال السنوات الماضية اتفاقات للمصالحة، وإعلانات عن تفاهمات، ومبادرات قيل إنها ستفتح صفحة جديدة، لكن كثيرًا منها انتهى دون أن يحدث تغييرًا جوهريًا في بنية النظام السياسي أو في طريقة إدارة قطاع غزة. ومن هنا، أصبح قطاع من الرأي العام يتعامل مع أي إعلان جديد باعتباره خطوة تكتيكية حتى يثبت العكس، لا لأنه يرفض التغيير، بل لأن التجربة السابقة جعلته أكثر حذرًا في منح الثقة.
ولعل ما يعزز هذه الشكوك أن القرار جاء في لحظة تشهد فيها القضية الفلسطينية تحولات غير مسبوقة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمستقبل حكم حماس، بل بمستقبل إدارة غزة نفسها. وأصبحت الطروحات المتعلقة بالإدارة الانتقالية، وإعادة الإعمار، والاشتراطات السياسية والأمنية المصاحبة لها، جزءًا من معادلة جديدة تفرض نفسها على جميع الأطراف. وفي ظل هذه التحولات، يبدو القرار أقرب إلى محاولة للحفاظ على موقع داخل ترتيبات يجري رسمها، أكثر من كونه مبادرة لتغيير قواعد اللعبة السياسية. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: لماذا حُلّت اللجنة الإدارية؟ وإنما: لماذا الآن؟
لو كانت هذه الخطوة تعكس قناعة سياسية راسخة، فلماذا لم تُطرح في مراحل سابقة، عندما كانت فرص إنهاء الانقسام وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية أكثر حضورًا؟ ولماذا جاءت في لحظة أصبحت فيها الخيارات المتاحة أمام الحركة أضيق من أي وقت مضى؟ هذه الأسئلة لا تنطلق من افتراض سوء النية، لكنها تعكس منطقًا سياسيًا بسيطًا: عندما تأتي المراجعات بعد أن تفرضها الوقائع، فإنها تُفسَّر غالبًا بوصفها استجابة للضغوط، لا تحولًا في القناعات.
وهنا تبرز معضلة حماس الحقيقية. فالتحدي لم يعد الحفاظ على لجنة إدارية أو تشكيل حكومة جديدة، بل التعامل مع واقع سياسي يعيد تعريف من يملك حق إدارة غزة، ومن يشارك في رسم مستقبلها، ومن يمتلك الشرعية الكافية ليكون جزءًا من ترتيبات المرحلة المقبلة. وهذه أسئلة لم تعد الحركة وحدها هي التي تجيب عنها، بل أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية ودولية أوسع بكثير من حدود القطاع.
لقد اعتادت حماس، خلال محطات عديدة، أن تتجاوز الأزمات عبر المناورة السياسية والتكيف التكتيكي مع المتغيرات، لكنها تواجه اليوم واقعًا مختلفًا. فالتحولات التي فرضتها الحرب لا تبدو ظرفية، بل تمس بنية المشهد السياسي كله، وهو ما يجعل الرهان على الأدوات القديمة رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
إن أخطر ما قد تقع فيه أي حركة سياسية هو أن تعتقد أن تغيير الوسائل يكفي للحفاظ على الموقع، بينما تكون قواعد اللعبة نفسها قد تغيرت. فالسياسة لا تكافئ من يتقن إدارة الأزمات فقط، بل من يدرك في الوقت المناسب أن الأزمة قد غيّرت طبيعة النظام الذي يتحرك داخله. ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه حماس على نفسها اليوم ليس: كيف نحافظ على دورنا؟ بل: هل قرأنا التحول التاريخي الذي أنتجته الحرب قراءة صحيحة؟
لقد اعتادت الحركة أن تنجح، في محطات عديدة، في تجاوز الضغوط عبر تكتيكات سياسية أعادت لها مساحة للحركة. لكن السؤال الذي تفرضه المرحلة الراهنة هو: ماذا لو كانت هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها التكتيك غير كافٍ؟ فربما لم يعد السؤال الأهم: ماذا تريد حماس؟ بل أصبح: هل ما زال الواقع السياسي، الفلسطيني والإقليمي والدولي، يسمح لها بتحقيق ما تريد؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل حماس وحدها، بل قد تحدد أيضًا شكل المرحلة المقبلة في غزة، وحدود الممكن السياسي بعد واحدة من أكثر الحروب تأثيرًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
