جنين /PNN/ في الملتقى الدولي للكتاب العربي بفرنسا، حيث تحملُ الجالياتُ أوطانها في حقائب اللغة، وحيث يصير المنفى مختبراً للأسئلة الكبرى، دار بيني وبين الأستاذ علي المرعبي حوارٌ حول روايتي «جنين في جنين». ولأن العنوانَ يحملُ مفارقةً لغويةً وجودية، فقد كان لا بدّ أن أتوقف عندها: «جنين» الأولى بفتح الجيم، أي الطفل الصغير الذي لم يُشأ بعد؛ و«جنين» الثانية بكسر الجيم، أي المدينة التي تحملُ في ذاكرتها كلَّ حكايات الصمود.
بين الطفل والمدينة، تتشكّل معادلة الوجود الفلسطيني كاملةً: أن تكونَ جنيناً في بطن أمك، ثم تصيرَ جنيناً في بطن التاريخ، فلا تكبر إلا لتحملَ مدينةً بأكملها في صدرك. وكأن الفلسطينيَّ محكومٌ عليه أن يولد طفلاً، ثم يكتشفَ أنه وُلد مدينةً، وأن مدينته وُلدت طفلاً يحتاجُ من يحميه. هنا يتكشّفُ البعدُ الفلسفيُّ الأعمق: أن الوجودَ الفلسطينيَّ ليس وجوداً في المكان، بل وجودٌ بالمكان؛ لا يسكنُ المدينةَ كما يسكنُ الإنسانُ بيته، بل يحملُها كما تحملُ الأمُّ جنينها. فالمدينةُ ليست خارجَ الذات، بل هي الذاتُ نفسها وقد اتخذت شكلَ حجرٍ وزيتونةٍ وطفل.
وقد كان دوري كما أعتقد ، أن أُدهشَ الحضورَ لا بالحكاية، بل بالكشف عن هذه المفارقة: أن الطفلَ والمدينةَ ليسا كيانين منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، حقيقةُ شعبٍ يُصرُّ على أن يبقى جنيناً في ذاكرة الأرض، وأرضاً في ذاكرة الجنين. حين قرأتُ مقاطعَ من الرواية، لم أكن أروي قصةً، بل كنتُ أفتحُ نافذةً على سؤالٍ أنطولوجي: كيف يمكنُ لكائنٍ أن يكونَ وطناً وهو مُحاطٌ بمحاولات محوه؟ والإجابةُ كانت في العنوان نفسه: «جنين في جنين» — الطفلُ يحملُ المدينة، والمدينةُ تحملُ الطفل، في حلقةٍ وجوديةٍ لا تنكسر.
قال لي الأستاذ المرعبي إن الرسالة التي وصلت للحضور كانت «فلسطين كلَّ فلسطين». وهنا تكشّف المعنى: أن تكتبَ عن طفلٍ في جنين يعني أن تكتبَ عن كل طفلٍ في كل قرية ومدينة، عن كل حجرٍ يحملُ اسماً، وكل زيتونةٍ تحفظُ نسبها. فليس البقاءُ عدداً ولا خريطةً ولا اتفاقاً؛ البقاءُ أن يظلّ الطفلُ يُولد، وأن تظلّ المدينةُ تُكتب، وأن يبقى الحرفُ واقفاً حين تنحني السيوف. ما أدهشني في ذلك اللقاء أن الحضور لم يصفّقوا للرواية بقدر ما صفّقوا للحقيقة التي حملتها: أن فلسطين تُكتب لتُبقى، وأن جنينَ ليست مدينةً على الخريطة فقط، بل حالةُ وعيٍ تُفتح بالجيم في كل مرة يقرر فيها إنسانٌ أن يقول: أنا هنا، ولن أذهب.
وهكذا، بين طفلٍ يُفتح بالجيم ومدينةٍ تُكسر، تعلّمُنا جنين أن الوجود ليس ما يمنحه الآخرون، بل ما نكتبه نحن بمداد الروح، ونصمّد به الجرح بالحكاية.




