رام الله /PNN / وصال أبو عليا - في 27 أكتوبر.. هل يمكن أن ينعكس التغيير السياسي في إسرائيل على حياة الفلسطينيين؟
في 27 أكتوبر المقبل، تتجه إسرائيل إلى انتخابات قد تعيد ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي، لكن نتائجها لن تبقى محصورة في حدود صناديق الاقتراع. بالنسبة إلى الفلسطينيين، تفتح الانتخابات سؤالا يتجاوز أسماء الأحزاب والشخصيات: هل يمكن أن يقود التغيير السياسي داخل إسرائيل إلى تغيير ملموس في طريقة التعامل مع الفلسطينيين، وفي تفاصيل حياتهم اليومية؟
فبينما ينشغل الناخب الإسرائيلي بقضايا الحكم والاقتصاد والأمن ومستقبل الدولة، يترقب الفلسطينيون ما يمكن أن تحمله الحكومة المقبلة من سياسات تمس الحركة والعمل والاقتصاد والأرض والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، وما إذا كانت التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي يمكن أن تفتح مساحة أوسع للتعامل السياسي والتفاوض وتحسين ظروف الحياة.
لذلك، لا تبدو أهمية الانتخابات بالنسبة إلى الفلسطينيين في معرفة من سيفوز فقط، بل في اكتشاف ما الذي يمكن أن يتغير بعد الفوز، وأين يمكن أن يظهر هذا التغيير في حياة الناس؟
انتخابات تحكمها قضايا إسرائيلية داخلية
يرى الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» وليد حباس أن المزاج الانتخابي الإسرائيلي تحكمه بدرجة كبيرة قضايا داخلية، من بينها التجنيد، ولجنة التحقيق في أحداث السابع من أكتوبر، وملف بنيامين نتنياهو، إلى جانب الاقتصاد وكلفة المعيشة.
وبحسب حباس، فإن القضية الفلسطينية لا تمثل محور المنافسة الحزبية الأساسي، رغم حضور غزة والضفة في النقاش السياسي.
لكن هذا لا يعني أن نتائج الانتخابات بلا أهمية للفلسطينيين، إذ قد يكمن أثرها في السياسات التي تتخذها الحكومة الجديدة بعد تشكيلها.
تغيير في الوجوه أم في السياسات؟
يضع حباس أمام الفلسطينيين سؤالا أساسيا: هل سيكون التغيير بعد الانتخابات تغييرا في الطاقم الحاكم، أم تغييرا في السياسات؟ فمن وجهة نظره، شهدت السنوات الماضية تغيرات في طريقة إدارة الضفة الغربية، من بينها نقل بعض الصلاحيات إلى المستوى المدني، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالأراضي والاستيطان. ولذلك، فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة التراجع عن السياسات التي ترسخت خلال السنوات الماضية.
وهنا يصبح ما بعد الانتخابات أكثر أهمية من يوم الاقتراع نفسه: من سيتولى الصلاحيات؟ وما القرارات التي ستتخذها الحكومة الجديدة؟ وهل ستبقى الترتيبات القائمة أم يجري تعديلها؟
هل يمكن أن يحمل التغيير مساحة إيجابية؟
في المقابل، يرى المحلل المختص في الشأن الإسرائيلي فيصل الجبيلي أن المجتمع الإسرائيلي نفسه بدأ يناقش كلفة بعض السياسات، خصوصا الاستيطان والتجنيد والاقتصاد.
ويعتقد الجبيلي أن أوساطا في الوسط واليسار أصبحت أكثر استعدادا للحديث عن التفاوض والتسويات مع الفلسطينيين، ويرى أن وصول شخصية مثل غادي أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، في حال تحقق هذا السيناريو، قد يفتح المجال أمام دعم أكبر للسلطة الفلسطينية وتحسين ظروف الحياة في مجالات الصحة والتعليم والحركة والاقتصاد.
لكن الجبيلي لا يتوقع أن يعني ذلك بالضرورة تحولا إسرائيليا واسعا نحو قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة. ولذلك، فإن التغيير المحتمل، وفق قراءته، قد يبدأ من تحسين إدارة العلاقة وفتح مساحة أكبر للتعامل السياسي، قبل أن يصل إلى الحل النهائي للصراع.
ماذا ينتظر الفلسطيني من الحكومة المقبلة؟
بالنسبة إلى المواطن الفلسطيني، قد لا تظهر نتائج الانتخابات أولا في المفاوضات السياسية، بل في تفاصيل الحياة اليومية.
ويشير حباس إلى أهمية مراقبة أموال المقاصة وتصاريح العمل، وإجراءات تسجيل الأراضي، وميزانيات الاستيطان وشق الطرق، ومستقبل البؤر الرعوية.
أما الجبيلي، فيربط بعض احتمالات التغيير بالتحولات داخل المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي، والحاجة إلى العمال في قطاعات مختلفة، إضافة إلى النقاش المتزايد حول مشاركة الحريديم في الخدمة العسكرية وسوق العمل.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز الانتخابات نفسها: هل يمكن أن تدفع التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي إلى سياسات تخفف بعض القيود الاقتصادية والحركية عن الفلسطينيين؟
ثلاثة مسارات.. والاختبار في النتائج العملية
يطرح حباس ثلاثة مسارات محتملة بعد الانتخابات: عودة نتنياهو بكتلة يمينية ودينية، أو تشكيل حكومة يمين-وسط بقيادة شخصية مثل أيزنكوت أو بينيت، أو استمرار حالة التعادل السياسي بما قد يقود إلى حكومة انتقالية وانتخابات جديدة.
لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يكفي معرفة أي من هذه المسارات سيتحقق. الأهم هو معرفة ما الذي ستفعله الحكومة الجديدة في الملفات التي تمس حياتهم.
فالتغيير قد يظهر في مستوى التعامل مع السلطة الفلسطينية، أو في الحركة والعمل والاقتصاد، أو في مساحة الحوار والتفاوض، كما قد لا يتجاوز حدود إعادة ترتيب المشهد السياسي الإسرائيلي.
وهنا تكمن أهمية عدم التعامل مع الانتخابات باعتبارها وعدا مسبقا بالتغيير، وإنما باعتبارها احتمالا يستحق المتابعة والاختبار.
المؤشر الحقيقي يبدأ بعد 27 أكتوبر
يدعو حباس إلى مراقبة ما بعد الانتخابات من خلال مجموعة من المؤشرات العملية: من سيتولى الصلاحيات المتعلقة بالإدارة المدنية؟ ماذا سيحدث في ملف الأراضي وتسجيل الملكية؟ ماذا ستتضمن ميزانية عام 2027 بشأن الاستيطان وشق الطرق؟ هل يتوقف توسع البؤر الرعوية أم يستمر؟ وماذا سيحدث لأموال المقاصة وتصاريح العمل؟
هذه المؤشرات، في رأيه، قد تكون أكثر قدرة على كشف اتجاه السياسة الجديدة من الخطابات الانتخابية.
وبالنسبة إلى الفلسطيني، فإن مراقبة هذه الملفات تعني الانتقال من سؤال «من فاز؟» إلى سؤال أكثر واقعية: ماذا تغير فعلا؟
الخاتمة: التغيير الذي يهم الفلسطيني
قد لا تحمل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة حلا جاهزا للقضية الفلسطينية، لكنها قد تكشف اتجاها جديدا في السياسة والمجتمع الإسرائيليين.
وبينما يرى الجبيلي إمكانية أن تدفع التحولات الاقتصادية والاجتماعية داخل إسرائيل نحو تسويات وتحسين ظروف الحياة، يحذر حباس من الخلط بين تغيير الحكومة وتغيير السياسة.
لذلك، فإن التغيير الذي ينتظره الفلسطيني لا يقاس فقط بأسماء الأحزاب أو رئيس الحكومة، بل بما ينعكس على حياته: في عمله وحركته واقتصاده وأرضه، وفي مساحة التعامل السياسي التي يمكن أن تفتحها الحكومة المقبلة.
وربما يكون السؤال الذي يبقى مفتوحا بعد 27 أكتوبر هو: هل تستطيع الانتخابات أن تنتج تغييرا يلمسه الفلسطيني في حياته اليومية، حتى لو لم تغير في المدى القريب جوهر الصراع؟
فالإجابة لن تكون في صندوق الاقتراع وحده، بل في القرارات التي ستأتي بعده.

