بين رائحة الخبز وأزيز الرصاص.. تفاصيل مأساة اغتيال الطبيب محمد مطر وعائلته في غزة

بين رائحة الخبز وأزيز الرصاص.. تفاصيل مأساة اغتيال الطبيب محمد مطر وعائلته في غزة

مدار نيوز \

عادت أوجاع الحرب لتطرق باب عائلة مطر الفلسطينية من جديد، ليس عبر غارة جوية هذه المرة، بل من خلال آلام عصبية حادة تهاجم رأس الأم سعاد مطر. هذه الأوجاع تعيدها قسراً إلى ذكرى مأساة مروعة وقعت قبل أكثر من عامين، حين فقدت زوجها الطبيب وثلاثة من أطفالها في هجوم إسرائيلي غادر.

بدأت فصول الحكاية في صبيحة الحادي والعشرين من ديسمبر عام 2023، حين كانت العائلة تمارس حياتها الاعتيادية في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة. كانت الأم تعجن الخبز لأطفالها الخمسة، بينما كان الطبيب محمد مطر يتنقل بين أرجاء المنزل قبل أن يقطع هدوء المكان طرق مفاجئ على الباب.

توجه الطبيب محمد لفتح الباب، لكنه لم يكد يفعل حتى باغتته قوة إسرائيلية خاصة بإطلاق نار كثيف من الخلف. عاد الطبيب إلى عائلته مضرجاً بدمائه، وفي لحظاته الأخيرة، أخبر ابنه يحيى والدته أن والده دفعه بعيداً ليتلقى الرصاص بدلاً منه، حامياً فلذة كبده بجسده.

لم يكتفِ جنود الاحتلال بإطلاق النار المباشر، بل بدأت الدبابات بقصف المنزل بقذائف متتالية حولت جدرانه إلى ركام فوق رؤوس الساكنين. تعالت صرخات الأطفال ملك ويحيى وديما وأحمد وفاطمة، وهم يتوسلون لوالدتهم أن تخرجهم من جحيم النيران والانهيارات التي لا تتوقف.

في تلك اللحظات العصيبة، وبينما كان الركام ينهار، حاول الطبيب محمد تلقين زوجته وصيته الأخيرة قبل أن يفقد وعيه تماماً. حسم القصف مصير العائلة سريعاً، حيث استشهد الطبيب وثلاثة من أبنائه على الفور، بينما غابت الأم عن الوعي إثر إصابات بالغة في الرأس والظهر.

اقتحم الجنود المنزل بعد توقف القصف، ووجدوا الأم غارقة في دمائها فظنوا أنها فارقت الحياة وتركوها بين الأنقاض. في المقابل، تم نقل الطفلين الناجيين، أحمد وفاطمة، إلى مستشفى ‘سوروكا’ في الداخل المحتل، ليبدأ فصل جديد من المعاناة والشتات القسري بعيداً عن حضن والدتهما.

استعادت سعاد وعيها بعد أيام لتجد نفسها في المستشفى، محاطة بأخبار الفقد والدمار الذي حل بأسرتها. أخبرها شهود عيان أنها شوهدت تسير هائمة على وجهها باتجاه منزلها القديم وهي مصابة بحروق وكسور بليغة، في حالة صدمة أفقدتها القدرة على تذكر كيفية نجاتها من الموت المحقق.

ظلت الأم تعاني من كسور في الظهر وعظام الصدر وشظايا مستقرة في الرأس، لكن الألم الجسدي لم يكن شيئاً أمام فاجعة فقدان شريك حياتها وأطفالها. بقيت سعاد وحيدة في شمال القطاع، بينما كان طفلاها الناجيان في الوسط، يفصل بينهما رصاص الاحتلال وحواجزه العسكرية المنيعة.

بعد ثلاثة أشهر من الفراق القسري، نجحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في نقل الطفلين أحمد وفاطمة إلى مستشفى شهداء الأقصى. هناك، التقت الأم بطفليها في مشهد يمزج بين معجزة النجاة ومرارة الفقد، حيث لم يتبقَ من عائلتها الكبيرة سوى هذين الطفلين المثقلين بالذكريات القاسية.

تتضاعف مأساة سعاد مع بقاء جثمان ابنها يحيى مفقوداً حتى اليوم، حيث لم يتم العثور على جثته تحت الأنقاض. ورغم العثور على بقايا عظمية في محيط المنزل يُعتقد أنها تعود له، إلا أن غياب الوداع الأخير يظل جرحاً مفتوحاً في قلب الأم التي حُرمت من دفن ابنها.

تستذكر الأم اليوم أطفالها الشهداء؛ ملك التي كانت تحلم بمستقبل واعد، وديما التي لم تغادر طفولتها بعد، ويحيى الذي فدى والده بنفسه. لم يتبقَ لها منهم سوى صور ممزقة وذاكرة مثقلة بتفاصيل ذلك الصباح الذي تحول فيه عجين الخبز إلى لون الدم.

تؤكد مصادر مقربة من العائلة أن الحالة الصحية للأم لا تزال غير مستقرة، حيث تظهر عليها آثار الصدمة النفسية والآلام العصبية بشكل دوري. ورغم محاولات التعافي، فإن غياب الرعاية الطبية المتخصصة في ظل الحصار يزيد من معاناة الناجين من هذه المجزرة البشعة.

تتمنى سعاد اليوم أمنية بسيطة تعكس حجم المأساة، وهي أن يزورها أطفالها وزوجها في المنام لتتمكن من احتضانهم ولو لمرة واحدة. تقول إن الحرمان من نظرة الوداع الأخيرة هو الوجع الذي لا تداويه الأيام، ولا تخفف من حدته سنوات الصبر الطويلة.

تبقى قصة الطبيب محمد مطر وعائلته شاهداً على حجم الانتهاكات التي تعرضت لها الكوادر الطبية والمدنيين في قطاع غزة. هي حكاية تختصر واقع آلاف العائلات التي أبيدت أو تشتتت، تاركة وراءها قصصاً من الصمود والألم الذي لا ينتهي وسط ركام المنازل المدمرة.

صحيفة القدس

أحدث الأخبار