بلوك.. أفول العصر الفضي في الأدب الروسي

بلوك.. أفول العصر الفضي في الأدب الروسي

2026 Aug,10

بتروغراد/سما- توفي الشاعر الروسي ألكسندر بلوك في السابع من أغسطس عام 1921 بمدينة بتروغراد عن عمر ناهز الأربعين، بعد معاناة من مرض التهاب الشغاف المعدي تحت الحاد أنهكته جسداً وروحاً. واعتبره المعاصرون علامة فارقة على انتهاء حقبة ذهبية من تاريخ الأدب الروسي عُرفت باسم العصر الفضي.

قضى بلوك أيامه الأخيرة في شقته بشارع أوفيتسيرسكايا، حيث دوّن في مذكراته ألماً فيزيائياً قاتلاً: "أكاد لا أستطيع التنفس؛ قلبي يملأ نصف صدري." عاش الشاعر معزولاً في عامه الأخير، اعتنت به زوجته ليوبوف ديميترييفنا مندلييفا-بلوك، وظل عدد قليل من الأصدقاء والناشر س. م. أليانسكي على تواصل معه حتى الرمق الأخير. لم يتوقف حتى في أشهره الأخيرة عن العمل: راجع مخطوطاته وتلف ما رآه منها غير ضروري، وحاول إتمام قصيدته "القصاص"، وهي ملحمة أدبية عن حياة المثقفين الروس صاغها على نمط قصيدة بوشكين "أونيغين".

تدهورت صحة الشاعر بسرعة مذهلة. رفض في البداية مغادرة روسيا، لكنه تقدم في النهاية بطلب للحصول على تأشيرة سفر إلى فنلندا للعلاج. تدخل لصالحه كبار المثقفين الروس منهم مكسيم غوركي وأناتولي لوناتشارسكي، وناقشوا قضيته أمام المكتب السياسي للحزب في اجتماعات متعددة. وافق المكتب أخيراً في 23 يوليو، لكن حالة بلوك تدهورت إلى درجة اضطرت غوركي لطلب تأشيرة إضافية لزوجته. لم تُوقّع تلك الموافقة إلا في الأول من أغسطس - ستة أيام قبل وفاته فقط - فجاءت متأخرة جداً.

وصف الكاتب والناقد كورني تشوكوفسكي، الذي عرف بلوك عن قرب، لحظة علمه بالنبأ بينما كان في رحلة من بلدة بورخوف بمقاطعة بسكوف. روى كيف بدا له أنه ذهب شاباً مرحاً وعاد رجلاً عجوزاً منهكاً. وصفه بأنه رجل جميل الملامح، أسمر البشرة، لكن الحياة القاسية سحقته والبؤس احاط به. ختم كلامه بعبارة لا تُنسى: "كانت أغنية بلوك هي حياته، فلما توقفت الأغنية، توقفت حياته معها."

لم تتوقف الجدالات حول ظروف وفاته حتى اليوم. راوحت الروايات بين الجنون والاغتيال، لكن التشخيص الطبي الموثق للالتهاب المعدي يبقى التفسير الأرجح. عاش بلوك في ظروف سياسية متشنجة بعد الثورة البلشفية، وكان موقفه من الأحداث معقداً ومثيراً للجدل في الأوساط الأدبية والفكرية.

حينما عبّر في كلمة بمناسبة إحياء ذكرى وفاة بوشكين - قبل رحيله بستة أشهر - قال كلاماً يصدق على حاله: "لم تكن رصاصة دانتيس هي التي قتلت بوشكين، بل نقص الهواء هو الذي قتله. ماتت ثقافته معه." أضاف أن الشاعر يموت حين لا يعود لديه ما يتنفسه، وحين تفقد الحياة معناها - وكأنه يتحدث عن حاله الخاص في تلك اللحظة.

أدرك المعاصرون جميعاً، حتى من رفضوا قصيدته الثورية "الاثنا عشر" رفضاً قاطعاً، أن وفاته أنهت حقبة كاملة من التاريخ الأدبي. علّقت الشاعرة زينايدا غيبيوس بسخرية لاذعة حين علمت بإسكان ستة جنود من الجيش الأحمر في شقة بلوك: "ليس كافياً. كان ينبغي أن يكونوا اثني عشر" - إشارة ساخرة إلى جنود الجيش الأحمر الاثني عشر الذين تدور حولهم قصيدته الشهيرة.

كتب الروائي يفغيني زامياتين في مذكراته عبارة موجزة لخصت عمق الفاجعة: "مات بلوك. هذا شيء لا يمكننا أن نغفره أبداً." صُدم الوسط الأدبي برحيله، وأدركوا أن فصلاً مضيئاً من فصول الحياة الثقافية الروسية قد أُغلق للأبد.

أحدث الأخبار