مدار نيوز \
بعد انقطاع دام ثلاثة أعوام بسبب الإبادة الإسرائيلية، بدأ أكثر من نصف مليون طالب وطالبة في قطاع غزة، السبت، عامهم الدراسي الجديد، في ظروف وصفتها وزارة التربية والتعليم العالي بـ”الاستثنائية”، بعد تجهيز 700 موقع للتعليم الوجاهي.
ومع ساعات الصباح، شقّ آلاف الطلبة طريقهم إلى مواقعهم التعليمية عبر أكوام الركام، وسط مخاطر استمرار هجمات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
ولم يتمكن كثير من الطلبة هذا العام من ارتداء الزي المدرسي أو حمل الحقائب والقرطاسية الجديدة، كما اعتادوا مع بداية الأعوام الدراسية قبل الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وغابت هذه المظاهر في ظل شحّ المستلزمات الدراسية في الأسواق، وعدم قدرة غالبية الأسر على شراء المتوفر منها، بسبب تدهور أوضاعها الاقتصادية وفقدانها مصادر دخلها خلال أعوام الحرب.
وقالت الوزارة، في بيان أصدرته الجمعة، إن العام الدراسي الجديد ينطلق في قطاع غزة السبت، إذ يعود الأطفال “إلى التعلم وسط الدمار”، وإن الأمل يعود مع استئناف العملية التعليمية، رغم ما مروا به من خسارات.
وأضافت أن “التعليم يظل مساحة للحياة والكرامة وإعادة بناء المستقبل”.
ويأتي انطلاق العام الدراسي الجديد في المدارس الحكومية والمدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، بعد أكثر من أسبوع على بدء الدراسة في العديد من النقاط التعليمية والمدارس الخاصة في القطاع.
مساران للتعليم
وأوضحت الوزارة، في بيان سابق، أن افتتاح العام الدراسي في غزة يأتي بعد استكمال تجهيز 700 موقع للتعليم الوجاهي، ستخدم أكثر من نصف مليون طالب وطالبة.
وأكدت، الجمعة، أن التعليم في قطاع غزة سيجري عبر مسارين؛ الأول هو التعليم الوجاهي، المخصص للطلبة الموجودين داخل القطاع والقادرين على الالتحاق بالمواقع التعليمية.

أما المسار الثاني، فهو التعليم الإلكتروني، وسيخصص للطلبة غير القادرين على الالتحاق بالتعليم الوجاهي، إلى جانب الطلبة الموجودين خارج القطاع، مع ضرورة الالتزام الكامل بالحصص اليومية وعدم ازدواجية التسجيل بين المسارين الوجاهي والافتراضي.
ووفق معطيات الوزارة، تتيح الترتيبات التعليمية لنحو 541 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة مواصلة تعليمهم وفق الإمكانات المتاحة، وسط خسائر واسعة تكشف حجم التحديات التي تواجه العام الدراسي الجديد.
ظروف “استثنائية وغير مسبوقة”
ووصفت الوزارة، في تقرير نشرته في 16 أيلول/ سبتمبر الجاري، الظروف التي يمر بها الطلبة والمعلمون في غزة بأنها “استثنائية وغير مسبوقة”.
وذكرت أن التعليم تحول من حق مكفول دوليًا إلى “رحلة صمود شاقة يخوضها الطالب والمعلم على حد سواء”.
وأوضحت أن التعليم يعود إلى القطاع بعد تدمير “الغالبية العظمى من المباني المدرسية، وتحويل ما تبقى منها إلى مراكز إيواء للنازحين”، ما اضطر الجهات التعليمية إلى اللجوء إلى الخيام واعتبارها مدارس بديلة.

وبشأن الخيام التعليمية، أكدت الوزارة أنها “تفتقر لأبسط المقومات التعليمية، إذ يجلس الطلبة على الأرض بلا مقاعد أو سبورات، وتحت وطأة ظروف جوية قاسية تجعل الخيام أفرانًا صيفًا وأماكن شديدة البرودة شتاءً، ما يقضي على أدنى مستويات التركيز والاستيعاب”.
وأشارت إلى التداعيات “الخطيرة” للفاقد التعليمي والأكاديمي التراكمي، الناجم عن انقطاع الطلبة عن الدراسة مدة ثلاثة أعوام متتالية، ما أدى إلى “اتساع الفجوة المعرفية وفقدان جزء معتبر من المفاهيم الأساسية في القراءة والحساب والعلوم”.
وأضافت أن الفاقد التعليمي المتراكم تسبب في “تراجع المستوى الأكاديمي لجيل بأكمله”.

وسلطت الوزارة الضوء على مأساة الطلبة الجرحى وذوي الإعاقة، بمن فيهم المكفوفون والصم، الذين وجدوا أنفسهم خارج المنظومة التعليمية بعد تدمير مدارسهم ومراكزهم المتخصصة، في ظل غياب أي بيئة ملائمة أو تسهيلات تساعدهم على الوصول والتعلم في مراكز النزوح والخيام.
وفي ختام التقرير، شددت الوزارة على أن عددًا هائلًا من الأطفال يعانون “آثار صدمات نفسية عميقة ورعبًا متواصلًا يستحضرون خلاله مشاهد القصف وفقدان ذويهم، ما يغرقهم في حزن دائم وشرود يمنعهم من الاستيعاب، ويجعل حاجتهم إلى التدخل النفسي والدعم السيكولوجي أولوية لا تقل أهمية عن التعليم ذاته”.
هجمات متواصلة ودمار واسع
ويتزامن بدء العام الدراسي مع استمرار هجمات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، والتي تسفر عن إصابة واستشهاد طلبة فلسطينيين.
وكان آخر هؤلاء الطفل محمد الزناتي، الذي استشهد بقنبلة إسرائيلية، أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنها “موجهة”، أُطلقت خلال غارة مزدوجة استهدفته، الثلاثاء، أثناء محاولته إنقاذ مصاب في غارة أولى.
وحتى 15 تموز/ يوليو الماضي، استشهد جراء هجمات جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 20 ألفًا من تلاميذ المدارس، وما يزيد على 532 معلمًا، كما دُمر بصورة كاملة 59 مبنى مدرسيًا حكوميًا، و30 مبنى مدرسيًا خاصًا، و11 مبنى للتربية الخاصة المخصصة لذوي الإعاقة، وفق تقرير سابق للوزارة.
وأفاد التقرير بتراجع الدوام المدرسي من 200 يوم خلال العام الدراسي 2022-2023 إلى 60 يومًا فقط خلال العام الدراسي 2025-2026، وانخفاض عدد الحصص التعليمية من 30 حصة أسبوعيًا إلى 12 حصة.
وأكد التقرير كذلك تعطل مرحلة رياض الأطفال، وما ترتب على ذلك من حرمان الأطفال من مدخل أساسي إلى التعلم.
ومنذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يرتكب الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أميركي، إبادة جماعية في قطاع غزة، خلّفت أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح فلسطيني، إلى جانب دمار طال 90% من البنى التحتية.









