هناك كلمات ادراكية بسيطة تحمل في داخلها وجعًا كبيرًا، ولعل أكثرها تعبيرًا عن واقع شريحة واسعة من الموظفين اليوم هي: كلمة «بزبطش».
بزبطش أن يكون الإنسان موظفًا، ومربيًا للأجيال، ورجل علم، وطبيبًا يسهر على صحة الناس، ورجل أمن يحافظ على النظام العام، وقاضيًا يصون القانون، وإمامًا يحمل رسالة دينية، أو موظفًا يسهل معاملات المواطنين، أو مهندسًا ومخططًا ومنسقًا للبرامج والمشاريع التنموية والزراعية والبنية التحتية، ثم يجد نفسه عاجزًا عن تأمين أبسط احتياجاته الأساسية.
بزبطش.
وبمنظور علم النفس الاجتماعي، فإن المسألة ليست مجرد ضائقة مالية عابرة، وليست مجرد شكوى من موظف يريد تحسين دخله؛ إنها حالة تمس الإنسان في إحساسه بالأمان والاستقرار والكرامة والانتماء إلى المجتمع.
بزبطش أن نحمي الآخرين ونحن عاجزون عن حماية أنفسنا.
- ماذا يعني أن يكون الطبيب مسؤولًا عن صحة الناس، ثم لا يستطيع تأمين ثمن دواء بسيط لفيروس عابر؟.
- ماذا يعني أن يكون رجل الأمن مكلفًا بحماية النظام العام، ثم لا يجد أجرة المواصلات التي توصله إلى مكان عمله؟.
- ماذا يعني أن يكون المعلم مسؤولًا عن بناء عقول الأجيال، ثم يعود إلى بيته وهو يفكر كيف سيؤمن احتياجات أسرته الأساسية؟.
- ماذا يعني أن يكون القاضي حارسًا للقانون، أو الموظف بوابةً لخدمة المواطن، أو المهندس والمخطط جزءًا من عملية البناء، ثم يصبح هؤلاء جميعًا في صراع يومي مع احتياجات المأكل والمشرب والدواء والمواصلات؟.
هذه ليست مفارقة اقتصادية فقط؛ إنها مفارقة نفسية واجتماعية، فالإنسان عندما يعيش فترة طويلة وهو غير قادر على إشباع احتياجاته الأساسية، فإن طاقته النفسية تنصرف بصورة متزايدة إلى سؤال واحد: كيف سأستمر؟
وهنا يصبح التفكير في الإبداع والتطوير والعطاء أقل سهولة، لأن العقل المنشغل بالبقاء لا يستطيع أن يعمل دائمًا بكامل طاقته في البناء.
هرم ماسلو... حين يصبح الوصول إلى القاعدة صعبًا
يرتب عالم النفس أبراهام ماسلو الاحتياجات الإنسانية في صورة هرم تبدأ بالاحتياجات الفسيولوجية الأساسية، ثم الأمان، فالانتماء، والتقدير، وصولًا إلى تحقيق الذات.
والمفارقة المؤلمة أن الموظف الذي يفترض أن يكون في مرحلة مهنية متقدمة، وأن يكون قد قطع سنوات طويلة من التعليم والتدريب والخبرة، يجد نفسه أحيانًا مضطرًا للعودة إلى السؤال عن قاعدة الهرم:
- هل أستطيع تأمين الطعام؟
- هل أستطيع شراء الدواء؟
- هل أستطيع دفع أجرة الطريق إلى العمل؟
- هل أستطيع تأمين احتياجات أطفالي؟
- هل أستطيع أن أعيش بقدر مقبول من الأمان؟
وهنا تحديدًا تصبح عبارة «بزبطش» أكثر من مجرد تعبير شعبي.
إنها تعبير عن اختلال بين ما يُطلب من الإنسان أن يقدمه للمجتمع، وبين الحد الأدنى الذي يستطيع المجتمع أن يوفره له حتى يستمر في أداء دوره.
تعب السنين لا يجوز أن ينتهي إلى عجز دائم، هناك إنصاف اجتماعي طبيعي يشعر به الإنسان من خلال مسار حياته.
الذي درس سنوات طويلة، وسهر الليالي، وحصل على شهادة جامعية، ثم دراسات عليا، ثم خبرة مهنية، وتحمل مسؤوليات وظيفية وأسرية واجتماعية، من الطبيعي أن يتوقع أن تقوده هذه الرحلة إلى قدر من الاستقرار.
ليس المقصود أن تتحول الشهادة إلى امتياز على الآخرين، ولا أن يصبح الموظف أفضل من غيره.
المقصود أن يكون هناك تناسب معقول بين الجهد والمسؤولية وبين القدرة على تأمين الحياة الأساسية.
فليس من الطبيعي أن يصل الإنسان إلى الخامسة والأربعين أو الخمسين، بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، ثم يشعر أنه عاد إلى مرحلة ينتظر فيها مصروفًا بسيطًا إن توفر، كما لو كان طالبًا في المرحلة الإعدادية.
المؤلم أكثر أن يشعر الإنسان بأن كل ما قدمه من سنوات عمره لم يمنحه حتى الحد الأدنى من الاستقرار.
وهنا لا نتحدث عن رفاهية.
نتحدث عن كرامة الإنسان.
الاحتراق النفسي لا يبدأ من المكتب
الاحتراق النفسي لا يحدث فقط بسبب كثرة الملفات والاجتماعات وساعات العمل.
أحيانًا يبدأ الاحتراق النفسي من خارج مكان العمل.
يبدأ عندما يغادر الموظف مكتبه وهو يحمل همّ البيت.
وعندما يقود سيارته وهو يحسب تكلفة الوقود.
وعندما يقف أمام الصيدلية ويؤجل شراء الدواء.
وعندما يسمع أبناءه يطلبون احتياجات بسيطة ولا يعرف كيف يلبيها.
وعندما يصبح الراتب الذي يفترض أن يكون وسيلة للاستقرار مجرد محطة قصيرة بين الديون والالتزامات.
في هذه الحالة يصبح الموظف محاصرًا بين متطلبات الحياة ومتطلبات الوظيفة.
هو مطالب بأن يكون حاضرًا، ومنتجًا، ومنضبطًا، ومبتسمًا أمام المواطنين، وقادرًا على اتخاذ القرار، وأن يقدم الخدمة بأفضل صورة؛ لكنه في داخله يخوض معركة أخرى لا يراها أحد.
وهذا من أخطر أشكال الضغط النفسي؛ أن يعمل الإنسان بكامل مسؤوليته بينما يشعر أن حياته الشخصية تتراجع أمام عينيه.
بزبطش أن نطلب من الموظف أن يحرق نفسه لإنارة طريق الآخرين.
- الموظف ليس آلة.
- المعلم ليس مجرد صوت داخل الصف.
- الطبيب ليس مجرد سماعة وملف طبي.
- رجل الأمن ليس مجرد زي رسمي.
- القاضي ليس مجرد منصة.
- الموظف الحكومي ليس مجرد توقيع وختم ومعاملة.
كل هؤلاء بشر. لهم أسر، وأطفال، واحتياجات، ومشاعر، وكرامة، وأحلام مؤجلة، ومن الظلم النفسي والاجتماعي أن نتعامل مع الإنسان وكأن وظيفته تلغي إنسانيته.
نحن نطلب من الموظف أن يخدم المجتمع، وهذا واجب نبيل، لكن المجتمع في المقابل يحتاج إلى أن يسند الموظف عندما تضيق به الحياة.
لا يجوز أن نحرق الموظف حتى تظل المؤسسة مضيئة.
العدالة الاجتماعية ليست مساواة في كل شيء
من منظور علم النفس الاجتماعي، فإن العدالة لا تعني بالضرورة أن يحصل الجميع على الشيء نفسه.
العدالة تعني أن يشعر الإنسان بأن النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه منصف ومعقول، وأن جهده ومسؤوليته ومكانته المهنية لا تُقابل بالإهمال أو التجاهل.
وعندما يشعر الفرد بأن هناك فجوة كبيرة بين ما يقدمه وما يحصل عليه، فإن مشاعر الإحباط والاغتراب والظلم يمكن أن تتراكم.
ومن هنا تأتي أهمية ما يسمى بالعدالة التنظيمية والاجتماعية؛ أي أن يشعر الإنسان بأن المؤسسة والمجتمع يتعاملان معه باحترام، وأن الظروف التي يمر بها لا تُفسر على أنها تقصير شخصي منه.
فالموظف الذي يعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة أو صعوبة المواصلات أو نقص القدرة الشرائية ليس بالضرورة شخصًا فاشلًا أو غير قادر على إدارة حياته.
قد يكون ببساطة إنسانًا وجد نفسه أمام ظروف اقتصادية واجتماعية أكبر من قدرته الفردية على التحكم بها.
لا تتركوا موظفي الدولة وحدهم، هنا يأتي دور المجتمع:
- دور المؤسسات الأهلية.
- دور القطاع الخاص.
- دور رجال الأعمال والمستثمرين.
- دور المؤسسات الاقتصادية.
- دور النقابات والاتحادات.
- ودور كل مؤسسة قادرة على أن تساهم في التخفيف من آثار هذه المرحلة.
ليس المطلوب أن يتحول المجتمع إلى جهة تدفع رواتب الموظفين، وليس المطلوب خلق امتيازات دائمة لفئة على حساب أخرى.
المطلوب هو التعاضد الاجتماعي المؤقت والذكي والمنظم في الأوقات الصعبة، منها:
- خصومات للموظفين.
- برامج صحية.
- مبادرات للنقل.
- مساعدات عينية تحفظ الكرامة.
- شراكات مع المؤسسات التجارية.
- برامج غذائية أو دوائية مؤقتة.
- تسهيلات تعليمية.
- صناديق اجتماعية منظمة.
- مبادرات من القطاع الخاص.
وغير ذلك من الأفكار التي يمكن أن تخفف الضغط دون أن تحول الإنسان إلى طالب صدقة.
فالفرق كبير بين الإعانة التي تجرح الكرامة، والإسناد المجتمعي الذي يحفظها.
لا نريد موظفًا مكسورًا
المجتمع الذي يريد مؤسسات قوية يحتاج إلى موظف متوازن نفسيًا. والمؤسسة التي تريد خدمة جيدة تحتاج إلى إنسان يشعر بالأمان. والدولة التي تريد التنمية تحتاج إلى موظف قادر على التفكير في المستقبل، لا موظف يقضي يومه في البحث عن كيفية تأمين يومه الحالي.
لهذا فإن دعم الموظف ليس مجاملة له. إنه استثمار في المجتمع:
- عندما تساعد المعلم، فأنت تساعد جيلًا كاملًا.
- عندما تساعد الطبيب، فأنت تحمي صحة مجتمع.
- عندما تسند رجل الأمن، فأنت تسند منظومة الأمن العام.
- عندما تحفظ كرامة القاضي، فأنت تدعم الثقة بالقانون.
- عندما تساعد الموظف الإداري، فأنت تسهم في استمرار الخدمات العامة.
- عندما تسند المهندس والمخطط والمزارع والباحث، فأنت تدعم عجلة التنمية.
«بزبطش» ليست تمردًا... إنها صرخة إنسانية
حين يقول الموظف: «بزبطش»، ليس بالضرورة أنه يرفض العمل، وليس بالضرورة أنه يتهرب من المسؤولية. وليس بالضرورة أنه يطلب ما لا يستحق.
أحيانًا يكون معنى «بزبطش»:
- أنا تعبت.
- أنا أعطيت.
- أنا أريد أن أستمر، لكنني بحاجة إلى أن يشعر أحد بمعاناتي.
- بزبطش أن أكون مسؤولًا عن خدمة الناس ولا أستطيع خدمة أسرتي.
- بزبطش أن أحافظ على صحة الآخرين ولا أستطيع شراء دوائي.
- بزبطش أن أحمي أمن المجتمع ولا أستطيع الوصول إلى عملي.
- بزبطش أن أربي الأجيال وأنا عاجز عن تأمين أبسط احتياجات أبنائي.
- بزبطش أن أحصل على أعلى الشهادات ثم أجد نفسي عاجزًا عن شراء ربطة خبز أو علبة زيت وزعتر دون الاستدانة.
هذه ليست مقارنة بين الناس، وليست دعوة إلى الحسد.
إنها دعوة إلى فهم اجتماعي أعمق.
السلم الاجتماعي يحتاج إلى توازن
أي مجتمع يحتاج إلى سلم اجتماعي متوازن، كل فئة فيه تؤدي دورًا؛
العامل، والموظف، والطبيب، والمعلم، ورجل الأمن، والقاضي، والتاجر، والمزارع، ورجل الأعمال، والمستثمر، والأكاديمي، وكل صاحب مهنة، لا يستطيع أحد أن يعيش بمعزل عن الآخرين.
ولهذا فإن التكيف الاجتماعي الحقيقي لا يعني أن يتكيف الضعيف وحده مع الظروف.
بل يعني أن يتكيف المجتمع كله مع أزماته من خلال توزيع المسؤولية والتعاضد والتكافل.
فالمرحلة الصعبة لا ينبغي أن تجعلنا أكثر فردية، بل أكثر تضامنًا.
ولا ينبغي أن تجعلنا ننظر إلى الموظف على أنه مجرد صاحب راتب، بل باعتباره إنسانًا يحمل جزءًا من مسؤولية المجتمع.
وفي النهاية:
ربما أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم هو: (بزبطش).
- بزبطش أن نطالب الإنسان بأن يعطي بلا حدود، بينما لا يستطيع أن يؤمن لنفسه وأسرته أبسط مقومات الحياة.
- بزبطش أن نطلب من الموظف أن يبقى صامدًا دائمًا، ثم نتركه وحيدًا عندما ينهكه الواقع.
- بزبطش أن نحتفل بالشهادة والخبرة والمسؤولية، ثم نتجاهل الإنسان الذي يقف خلفها.
- وبزبطش أن نحلم بمستقبل أفضل، بينما نترك جزءًا أساسيًا من بناة هذا المستقبل يعيشون تحت ضغط الخوف من الغد.
إن إنصاف الموظف لا يعني تفضيله على غيره.
بل يعني حماية التوازن الاجتماعي والنفسي الذي يحتاجه المجتمع كله.
وإذا كانت الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قد فرضت على الناس واقعًا قاسيًا، فإن مسؤوليتنا المشتركة أن نبحث عن وسائل تخفف هذا الواقع، ولو بصورة مؤقتة، حتى لا يتحول الضغط المؤقت إلى احتراق دائم، وحتى لا يتحول الموظف من إنسان منتج إلى إنسان مستنزف.
نحن بحاجة إلى أن نقول للموظف:
- نحن نرى تعبك.
- نقدر دورك.
- نعرف أن كثيرًا مما تمر به ليس من صنعك.
- ولست وحدك في هذه المعركة.
لأن المجتمع الذي يريد أن ينهض، لا يترك من يحملون على أكتافهم مؤسساته يسقطون بصمت.
وببساطة... بزبطش






