باحثة كويتية تعيد اكتشاف نظام العرب القديم في قراءة السماء والزمن

باحثة كويتية تعيد اكتشاف نظام العرب القديم في قراءة السماء والزمن

2026 Aug,06

الكويت/سما- اعتمدت المجتمعات العربية قديمًا على السماء ليس كمشهد جمالي بل كنظام معرفي متكامل لقراءة الزمن والاتجاهات وفهم تغيّرات الطقس وتحديد مواسم الزراعة، وفق ما تكشفه الباحثة الكويتية المتخصصة في علم الفلك العربي بدرية السالم.

تجمع السالم في مشروعها الفني والأكاديمي "Resistant Atlas: Names of the Sun" بين المقالات والخرائط والرسومات والأعمال التركيبية، بهدف استخراج وإعادة صياغة هذه المعارف القديمة. الفصل الأول من المشروع يدرس 41 اسمًا عربيًا للشمس، كاشفًا أن كل اسم ينقل معلومات متعددة الطبقات حول الحجم والارتفاع والإحساس والفصل والوقت من اليوم في آن واحد.

بدأت رحلة السالم مع هذا الموضوع من انبهارها بجمال السماء، قبل أن تتحول إلى بحث عميق في علاقة هذه الظاهرة بالذاكرة الثقافية العربية. اكتشفت أن الاسم "بدرية" الذي تحمله يرتبط بليلة اكتمال القمر، وأن عبارات عربية متوارثة مثل "بين الثرى والثريا" تختزن معرفة فلكية دقيقة، إذ تشير "الثريا" إلى عنقود نجمي حقيقي يظهر في سماء الشتاء.

تؤكد السالم أن اللغة كانت الوسيلة الأساسية لحفظ ونقل هذه المعارف، خصوصًا في المجتمعات البدوية التي اعتمدت على الترحال في الصحراء. الكلمات العربية لم تكن مجرد أوصاف بل تحولت إلى قصص وصور ذهنية تربط الإنسان بالبيئة المحيطة، وساعدت المجتمعات على الاهتداء وقياس الزمن في بيئة متغيّرة.

استشهدت السالم بنجم "سهيل" الذي جُسد في التراث العربي بصفات إنسانية مستوحاة من لمعانه وموقعه؛ فوصف بأنه شخصية قوية وعاطفية، وفُسر انخفاضه قرب الأفق الجنوبي بأنه انعزال أو خجل. لم تكن هذه وصفات خيالية بل وسيلة ذكية لتثبيت سلوك النجم في الذاكرة وربطه بالملاحة والزراعة والمواسم.

انطلق المشروع من تساؤلات حول كيفية فهم الإنسان المعاصر للزمن والمكان عبر الأجهزة الرقمية التي تقدّم تصورًا موحّدًا وخطّيًا، مقابل الأنظمة القديمة التي بنت طرقًا دقيقة لفهم الزمان والمكان من خلال مراقبة البيئة والسماء. كلمة "Resistant" في عنوان المشروع تشير إلى محاولة إعادة التفكير في التصورات الحديثة الجامدة للزمان والمكان.

ترى السالم أن الزمن في المفهوم القديم لم يكن مجردًا بل تجربة مرتبطة بالملاحظة والجسد والمكان. في الصحراء، كانت حركة النجوم واتجاه الرياح وتغير الفصول جزءًا من فهم العالم. تتضمن يومياتها في المشروع طرقًا بسيطة لفهم المكان والزمان، مثل تحديد الاتجاه من خلال حركة الرأس أو قياس الوقت باستخدام الأصابع.

لا تنظر السالم للتراث باعتباره شيئًا ثابتًا يجب تجميده، بل كمعرفة حية قادرة على التطور والتفاعل مع العالم المعاصر. ترى أن ترجمة الأنظمة القديمة إلى أدوات رقمية وأشكال إبداعية حديثة تمنحها حضورًا جديدًا بدل أن تبقى حبيسة الكتب والمتاحف، وأن علم الفلك العربي البدوي يجب أن يكون جزءًا من الحوار الحضاري المعاصر.

تؤمن السالم أن السماء تحمل سجلًا لتاريخ العرب وقيمهم، والقصص المرتبطة بالنجوم تكشف عن روح الجماعة والخيال المشترك. بقي هذا الإرث الفلكي والشعري حيًا بفضل انتقاله شفهيًا عبر الحكايات حول النار وفي اللقاءات العائلية وخلال رحلات الصحراء.

على عكس الأساطير التي ركزت على الآلهة والكائنات الخارقة، ارتبطت الحكايات الفلكية العربية بالإنسان نفسه، بمشاعره ونقاط ضعفه وانتصاراته وحبه ووفائه. تأمل السالم أن تعاد قراءة هذه المعارف ودمجها في التكنولوجيا الحديثة والفنون والتصميم، بحيث تصبح جزءًا من طريقة فهمنا للعالم اليوم بدل أن تبقى أثرًا تاريخيًا فحسب.

أحدث الأخبار