لندن/سما- اشتهرت إليزابيث بارتون في إنجلترا عام 1525 بوصفها صاحبة رؤى ونبوءات دينية، بعد إصابتها بمرض خطير في قرية صغيرة بمقاطعة كينت. وأثناء هذيانها راحت تتمتم بمقاطع من الكتاب المقدس، ثم بدأت تدخل في حالات استحواذ شبيهة بنوبات الصرع تتحدث خلالها عن نبوءات. وسرعان ما توافد الناس لرؤيتها بعد انتشار أخبار رؤاها في الأرجاء.
بعد أن دخلت بارتون في نوبة عنيفة استمرت ساعات أمام حشود من الناس، وقيل إنها شفيت من مرضها بعدها، أُعلن أن رؤاها حقيقية. يقول أحد الشهود الذي كان بين آلاف الحاضرين: "كان وجهها مشوهاً على نحو مدهش، ولسانها متدلياً، وعيناها كأنهما اقتُلعتا من مكانهما". بعد ذلك التحقت بدير للراهبات في كانتربري، وأصبحت شخصية مؤثرة استشارها كبار رجال الدين والنبلاء، وحتى الملك هنري الثامن نفسه لجأ إليها.
جاء صعودها إلى الشهرة في فترة عصيبة على الكاثوليكية، حيث كانت أفكار الإصلاح الديني البروتستانتي تشق طريقها إلى إنجلترا من أوروبا القارية. اعتبر الكاثوليكون هذه التحولات تهديداً لطريقة حياتهم، فشجعوا كل ما قد يساعدهم على مواجهة هذا التهديد. وحظيت بارتون بتأييد واسع النطاق، وتناقل الناس رؤاها شفهياً وفي كتاباتهم. تقول مؤلفة كتاب "بطلات عالم تيودور"، شارون بينيت كونولي: "كان الجميع يأخذها على محمل الجد. وسواء كانت رؤاها حقيقية أم لا، فقد آمن الناس بها".
لم تقتصر حلقات أنصارها على عامة الناس، بل شملت الرهبان وكبار رجال الدين، منهم الكاردينال وولسي كبير وزراء الملك ورئيس أساقفة كانتربري. وسمع بها السير توماس مور، مستشار الملك وأحد أكثر رجال عصره نفوذاً، فالتقاها يود أن يرى بنفسه "فضيلتها العظيمة" التي طالما سمع عنها. غير أنه كتب إليها لاحقاً يحذرها من الحديث عن الملك أو الخوض في شؤونه الشخصية.
تمتع الملك هنري وبارتون بحظوة متبادلة، والتقيا مرات عديدة، وكان تمسكهما الشديد بالكاثوليكية عاملاً مشتركاً بينهما. لكن رغبة هنري في تطليق زوجته كاثرين الأراغونية والزواج من آن بولين لإنجاب وريث ذكر تعارضت بشكل مباشر مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكية. عارضت بارتون في نبوءاتها هذا الزواج وانفصال إنجلترا عن روما، ووقفت بقوة إلى جانب كاثرين، بل كتبت إلى البابا كليمنت السابع محذرةً إياه من أن وباءً سيحل إذا وقف ضد كاثرين.
ادعت بارتون أن الرب وحاها بأن هنري لن يعيش أكثر من سبعة أشهر إذا تزوج آن، ثم قالت لاحقاً إنه لن يبقى ملكاً بعد شهر واحد من زواجه منها، من دون توضيح كيف أو لماذا سيحدث ذلك. كان التنبؤ بموت الملك يعتبر خيانة عظمى بموجب قانون الخيانة الصادر عام 1351. وتقول كونولي: "كانت تسير على خيط رفيع للغاية"، مشيرة إلى جرأة امرأة شابة من الخدم تقف في وجه ملك وتخبره بنبوءة كهذه.
أثارت النبوءة قلق الملك وآن بولين حتى زارا بارتون في كانتربري في أكتوبر 1532، أثناء توجههما إلى كاليه، في محاولة لاستمالتها. عرض عليها هنري أن تصبح رئيسة دير مقابل التزامها الصمت عن زواجه، بينما عرضت عليها آن منصباً في حاشيتها. رفضت بارتون العرضين، ما أثار غضب الملك، الذي لم يتوقف عن زواجه من آن في يناير 1533.
مع مرور الأشهر اتضح أن نبوءات بارتون لم تتحقق. ألقي القبض عليها وأُرسلت إلى برج لندن، حيث خضعت للاستجواب من قِبل توماس كرومويل، كبير وزراء هنري، واعترفت هناك بأنها لم تتلقَّ أي وحي من الرب. تقول كونولي: "لهذا تثير قصتها اهتمامنا، لأننا لا نعرف إن كانت قد رأت رؤى حقيقية أم لا، وإذا كانت قد كذبت، فقد كانت شديدة الذكاء واستطاعت خداع عدد هائل من الناس". غير أنه يبقى غير معروف إن كانت قد تعرضت للتلاعب أو أُجبرت على الاعتراف تحت الضغط.
في 20 أبريل 1534، أُعدمت بارتون مع ستة من أنصارها المخلصين، بينهم مرشدها الروحي إدوارد بوكينغ، في موقع الإعدام في تايبورن، وكانت تبلغ من العمر 28 عاماً فقط. عُرض رأسها بعد ذلك عند البوابة الجنوبية لجسر لندن القديم، في تقليد كان متبعاً من القرن الرابع عشر حتى أواخر القرن السابع عشر لتحذير من يُتهمون بالخيانة. وكان السير توماس مور وتوماس كرومويل وغاي فوكس من الشخصيات الشهيرة التي لقيت المصير نفسه، لكن بارتون كانت المرأة الوحيدة التي يُعرف أنها عوملت بهذه الطريقة.
تجد مؤلفة كتاب "بطلات عالم تيودور" أهمية تاريخية حقيقية لقصة بارتون، وتقول: "تمكنت امرأة شابة من كينت، لم تحظَ إلا بقدر ضئيل جداً من التعليم، من جذب الناس إلى أفكارها، وعبّرت عما كان يفكر فيه عامة الناس في ذلك الوقت". غير أن رواية بارتون للأحداث طُمست إلى حد كبير من صفحات التاريخ. حرص كرومويل على مصادرة 700 نسخة من كتاب يضم رؤاها، صاغه بوكينغ، وتم إتلافها فور طباعتها، كما أُتلف كتيّب آخر كان من المقرر توزيعه. ما بقي هو الوثائق الرسمية للدولة التي كتبها كرومويل والنظرة البروتستانتية الأحادية التي تصفها بأنها "دجّالة"، مما أثر بشكل كبير على تصوير التاريخ لشخصيتها.
