مدار نيوز \
يتمدد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة بشكل سريع في السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية. وفي موازاة ذلك، أضعفت إسرائيل بشكل كبير جدًا كافة أشكال الحكم الذاتي الفلسطيني فيها، وتعلن أنها تعمل من أجل القضاء على اتفاقيات أوسلو، ما يعني القضاء على السلطة الفلسطينية وحلها.
الاستيطان والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية سياسة إسرائيلية رسمية تحظى بإجماع واسع بين الإسرائيليين، في اليمين واليسار، تمامًا مثل سياستها بالاستيلاء على الغالبية الساحقة من الأراضي في مناطق الـ48 منذ قيامها عام 1948، بلا مقاومة وبلا نضال جدي ضد هذه السياسة. ورغم الهبّات في الداخل والانتفاضات في الضفة، فإنها لم تمنع، ولو بشكل ضئيل، استمرار السياسات والممارسات الإسرائيلية في هذا السياق ضد الفلسطينيين.
سيتساءل كثيرون وبحق: ماذا كان بإمكان الفلسطينيين أن يفعلوا ضد هذه السياسة الإسرائيلية؟ بعد النكبة، بالكاد كان يقوى الباقون على الاستمرار بالعيش، وبعد احتلال عام 1967 كان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة مصدومين من هول النكسة، وفي كلتا الحالتين كان الفلسطينيون بلا سند.
بإمكان إسرائيل أن تطبق سياستها ومخططاتها في الضفة الغربية بدون عائق، ولا توجد مقاومة لسياسة ومخططات الاحتلال، لا سلمية ولا غير سلمية، فقد قضت إسرائيل بشكل منهجي ومدروس على هذا كلّه. لكن يوجد تعاون فلسطيني رسمي مع الاحتلال يسمى تنسيقًا أمنيًا، وهو مشمول في الاتفاقيات الثنائية، وجعل الانقسام الفلسطيني حالة بنيوية.
هذا التنسيق الأمني ليس المشكلة الوحيدة، فالفلسطينيون قيّدوا أنفسهم بواسطة اتفاقيات ربطوا من خلالها مصيرهم بإسرائيل و”بحسن نواياها”. حسب اتفاقيات أوسلو، التي تم توقيعها عام 1993 في البيت الأبيض، أي برعاية أميركية، كان ينبغي أن تقام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بعد خمس سنوات. لكن الدولة لم تقم، وبدلًا من ذلك تمدد الاستيطان.
إحدى هذه الاتفاقيات تقضي بأن تجبي إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية الرسوم الجمركية والضرائب على رواتب العمال الفلسطينيين والمعاملات التجارية، لكن إسرائيل، وخاصة حكومتها الحالية، تصادر، مستخدمة عدة ذرائع، هذه الأموال بحجم مئات ملايين الشواكل شهريًا، ولا تحوّلها إلى السلطة الفلسطينية التي لا تتمكن من تسديد رواتب موظفيها أو تنفيذ مشاريع وخدمات مدنية.
بذلك، بقيت السلطة الفلسطينية بدون مدخول اقتصادي وطني، وبحيث يعتمد اقتصاد الضفة بالأساس على القطاع الخاص، الذي يشارك فيه قياديون في السلطة، ما يؤدي إلى استشراء الفساد، وإلى التعامل مع الوضع في الضفة وفقًا لمصالح القطاع الخاص، وهذا يقود إلى تدمير البنية الوطنية في الضفة.
مخيمات اللاجئين في الضفة تُعتبر معاقل المسلحين الفلسطينيين، واجتياح الجيش الإسرائيلي مخيمات جنين وطولكرم ونور الشمس وتدميرها وتهجير سكانها، وعمليات عسكرية أخرى في أنحاء الضفة، كان هدفه القضاء كليًا على تنظيمات مسلحة مهما كانت صغيرة.
لقد جرّدت إسرائيل الفلسطينيين في الضفة من قدراتهم، وفي موازاة حرب الإبادة في قطاع غزة، وسّعت حكومة نتنياهو الحالية الاستيطان والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية بشكل كبير جدًا وغير مسبوق، وبشكل رسمي وغير رسمي، واستعانت بجماعات المستوطنين المتطرفين الذين نفذوا اعتداءات إرهابية ضد الفلسطينيين بهدف تهجيرهم عن تجمعاتهم السكنية وأراضيهم ومراعيهم، والاستيلاء عليها وإقامة بؤر استيطانية عشوائية وما يسمى بـ”المزارع”.
وأفاد تقرير لحركتي “سلام الآن” و”كرم نابوت” الإسرائيليتين المناهضتين للاحتلال والاستيطان، هذا الأسبوع، بأنه خلال السنوات 2023 – 2025 أقامت الحكومة الإسرائيلية 185 بؤرة استيطانية عشوائية؛ طردت سكان 118 تجمعًا فلسطينيًا؛ أقامت أو شرعنت 102 مستوطنة جديدة، بينها 50 بؤرة استيطانية عشوائية؛ صادقت على بناء 40,064 وحدة سكنية؛ وضعت تحت سيطرة البؤر الاستيطانية مليونًا و70 ألف دونم، تشكل حوالي 18% من مساحة الضفة؛ شقت شوارع جديدة طولها 223 كيلومترًا؛ استولت على 11,520 دونمًا زراعيًا؛ صادرت 59,959 دونمًا وأعلنتها “أراضي دولة”.
الحكومة الإسرائيلية نفذت ذلك بإشراف وزير المالية والوزير في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، بمساعدة الجيش الإسرائيلي وأجهزة أمنية أخرى، ومن خلال تصريحات رسمية بأن الهدف هو القضاء على اتفاقيات أوسلو أو إنهاؤها، وأن الهدف هو تنفيذ مخطط ضم الضفة إلى إسرائيل، وإبقاء 18% من مساحة الضفة للفلسطينيين ضمن حكم ذاتي لم يتم توضيح طبيعته.
الجدير بالتوضيح أن مخطط الضم لم يُطرح في ولاية حكومة نتنياهو الحالية فقط، وإنما تعالى هذا المخطط خلال ولاية حكومة نتنياهو في نهاية العقد الماضي أيضًا، بصيغة أصغر، وضم حوالي 80% من مساحة الضفة، وأيده الرئيس الأميركي في حينه، دونالد ترامب.
في حينه، لم يكن سموتريتش وإيتمار بن غفير يتوليان مناصب وزارية، وكانت حكومة نتنياهو تتألف من أحزاب الليكود و”كاحول لافان” بقيادة بيني غانتس، والأحزاب الحريدية وحزب العمل و”البيت اليهودي”، ما يدل على أنه كان هناك إجماع إسرائيلي ليس على الاستيطان فقط، وإنما على تنفيذ مخطط ضم أيضًا.
كان ذلك قبل توقيع “اتفاقيات أبراهام”، واشترطت الدول العربية المشاركة في هذه الاتفاقيات إلغاء مخطط الضم، ووافق ترامب على ذلك، لكن هذه الدول العربية لا تتطرق حاليًا إلى عودة حكومة نتنياهو إلى فرض حقائق على الأرض من أجل تنفيذ مخطط الضم، مثلما لم تفعل شيئًا هي وباقي الدول العربية من أجل وقف الإبادة في غزة.
قوانين إضعاف الجهاز القضائي وتغيير وجه إسرائيل
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، في أواخر تشرين الأول/أكتوبر، وخروج الكنيست إلى عطلة الانتخابات، في نهاية الأسبوع المقبل، تسابق حكومة نتنياهو الزمن من أجل سن قوانين ضمن خطة “الإصلاح القضائي” التي تهدف إلى إضعاف الجهاز القضائي وكبار موظفي الدولة الذين يوصفون بأنهم “حراس العتبة”، وذلك في ظل معارضة واسعة أدت إلى شرخ كبير في المجتمع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة.
وتريد الحكومة من هذه القوانين أن تفرض قيودًا على مراقبة عملها والاستفراد بالقرارات وألا تكون هناك إمكانية لمنع اتخاذها، وتستهدف الخطة بالأساس المحكمة العليا، التي تعتبر أنها تحل مكان دستور لإسرائيل، وسحب صلاحيتها بتوجيه نقد لقوانين وإلغائها، حتى لو كانت تتعارض مع قوانين أساس.
أحد أهم قوانين هذه الخطة هو فصل منصب المستشار القضائي للحكومة إلى منصبين، هما منصب المدعي العام ومنصب المستشار القضائي، وذلك بعد أن شهدت ولاية الحكومة الحالية خلافات حول قوانين وقرارات بين الحكومة ومستشارتها القضائية، غالي بهاراف ميارا.
وبسبب ضيق الوقت، لن يُطرح هذا القانون وإنما سيُطرح مشروع قانون مقلص، ينص على أن رأي المستشار القضائي للحكومة لا يكون ملزمًا للحكومة، إلى جانب تمثيل الحكومة أمام المحكمة العليا بواسطة محام خاص، وستصوت الهيئة العامة للكنيست على مشروع القانون المقلص بالقراءتين الثانية والثالثة الأسبوع المقبل.
ترفض الحكومة ورئيسها نتنياهو بشدة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، وبدلًا من ذلك قدمت مشروع قانون تشكيل لجنة تحقيق سياسية، صادقت عليه الهيئة العامة للكنيست بالقراءة الأولى، هذا الأسبوع، ويسري عليه ما يسمى “قانون الاستمرارية” الذي يعني استمرار سن القانون في ولاية الكنيست المقبلة من دون العودة إلى إجراءات تشريعه من بدايتها.

وينص هذا القانون على تشكيل لجنة تحقيق في الإخفاق تكون مؤلفة من ستة أعضاء كممثلين للجمهور وليسوا أعضاء كنيست، بينهم ثلاثة أعضاء يختارهم الائتلاف وثلاثة تختارهم المعارضة، التي أعلنت أنها ستقاطع القانون وستسعى إلى إلغائه، لكن في حال سن القانون سيكون في عضوية لجنة التحقيق ممثلو الائتلاف. وليس متوقعًا أن يتم سن هذا القانون.
صادقت لجنة التربية والتعليم في الكنيست، هذا الأسبوع، على مشروع قانون يسمح للجامعات بالفصل بين الذكور والإناث الذين يدرسون للقب الماجستير والدكتوراة، وذلك خلافًا لقرار صادر عن المحكمة العليا التي سمحت بفصل كهذا بين الذين يدرسون للقب البكالوريوس، بينما تعارض فصلًا كهذا أحزاب المعارضة ورؤساء الجامعات الذين وصفوه بأنه يشجع على إقصاء النساء من الحيز العام.
وسيتم الأسبوع المقبل التصويت بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون وسائل الإعلام، الذي يسمح بإقامة قنوات إخبارية جديدة بدون رقابة تقريبًا، وأن يكون هناك تطبيق حكومي يمكن مشاهدة جميع القنوات من خلاله مجانًا، كما يلزم شركات بث القنوات بتضمين القنوات الإخبارية جميعها وبضمنها القنوات اليمينية الداعمة للحكومة الحالية.
ويتوقع أن تصادق الهيئة العامة للكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة، الأسبوع المقبل، على مشروع قانون أساس دراسة التوراة، الذي ينص على أن دراسة التوراة هي “قيمة أساسية في دولة إسرائيل”، وتم طرح هذا القانون بضغط مارسته الأحزاب الحريدية، رغم تحفظات داخل الائتلاف من أن القانون سيشجع على عدم اندماج الحريديين في سوق العمل، وأن يطالب الحريديون لاحقًا بمساواة مكانة دارسي التوراة مع مكانة الجنود.
وسيحاول الائتلاف سن قانون يجمد اعتقال الحريديين الذين يتهربون من الخدمة العسكرية، وذلك بعد فشل الائتلاف في سن قانون التجنيد الذي يعفي الحريديين من الخدمة العسكرية بسبب معارضة واسعة له داخل الائتلاف.
وأعلن الائتلاف أن هذا القانون سيكون ساريًا لمدة نصف سنة، لكن يُعتقد أنه سيتحول إلى قانون دائم، ويوصف بأنه “قانون تجنيد مصغر”، ويلغي فرض عقوبات على من يرفضون التجنيد للجيش وعلى معاهد تدريس التوراة التي لا يتجند طلابها للجيش.
ويهدف نتنياهو من وراء هذه القوانين وخطة “الإصلاح القضائي” عمومًا إلى إرضاء الأحزاب في ائتلافه والاستجابة لرغباتها ومصالحها كي يبقى متماسكًا بعد الانتخابات أيضًا، وفي محاولة لمنع تشكيل حكومة أخرى لا تكون برئاسته. فالاستطلاعات حتى الآن لا تؤكد احتمال حصول الأحزاب الصهيونية في المعارضة على أغلبية 61 عضو كنيست في الانتخابات، وبذلك يبقى نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف أعمال حتى الانتخابات التالية، وذلك إلى جانب محاولاته إضعاف جهاز القضاء من أجل التأثير على محاكمته.







