الرئيس ترامب في أشد لحظات أزماته الخانقة.
والرئيس ترامب فقد الحيلة والوسيلة.
والرئيس ترامب بدأ مساراً جديداً للتراجع، والتوقف مؤقتاً عن حرب التهديدات لأن كل التهديدات سقطت سقوطاً مدويّاً، تماماً كما تهاوت كل رهاناته على تركيع إيران، أو إجبارها على أي تراجع حقيقي يمكن أن يوفّر له غطاء كافياً للعودة إلى مذكرة التفاهم، أو تحسين الشروط الأميركية فيها.
من حروب ومعارك الممرات، إلى معارك السفن والناقلات فإلى الحروب الاقتصادية النورماندية «ينطنط» ويقفز ويتقافز دون أهداف محددة، ودون قدرة على اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤدي إلى قراءة الحالة الأميركية ولو ليوم واحد بسبب ولكثرة ما فقد وخسر، وما سقط وتهاوى، وراهن وفشل.
الآن وفي هذه اللحظة، وفي هذه الأيام، يعيش الرئيس ترامب أصعب أيامه لأنه بدأ بالفعل التفكير الجدي بالتراجع، وهو يفكر بالبحث عن وسيلة وتوقيت هذا التراجع ولم يعد يفكر بمبدأ التراجع من عدمه.
كيف ولماذا؟
عليّ قبل كل شيء أن أعلل الوصول إلى هذا الاستنتاج الذي لا يخلو من كونه قاطعاً ونهائياً مهما تخللت الفترة القادمة من زعبرات ترامبية هنا أو هناك بانتظار الوصول إلى خط نهاية الحرب، ووصول قطارها إلى محطته الأخيرة.
بدأت حالة اليأس والإحباط تدب في البيت الأبيض عندما اكتشفت هذه الإدارة أن خطة الانقلاب على مذكرة التفاهم مع إيران قد فشلت، وأن الوسائل العسكرية المتاحة لا تمكّن الرئيس ترامب من الحصول على أي مكاسب حقيقية لإجبار إيران على تعديلها.
عند هذه النقطة، عُرضت على الرئيس ترامب خيارات استخدام السلاح النووي وتم مناقشة هذا الخيار - كما ثبت بالوقائع - ولم يُسحب هذا الخيار نهائياً حتى الآن، إلا أن معلومات استخبارية على ما يبدو، وتقديرات رجّحت بأن تكون إيران خلال الشهور الأخيرة - إن لم يكن قبل هذه الفترة - إما أنها صنّعت رؤوساً نووية لا تحتاج إلى تفجيرات نووية كبيرة - على نسبة تخصيب الـ ٦٠٪ أو أنها أجرت هذا التفجير في مرحلة معينة، أو أنها قامت بإعداد ما يلزم لكل حالة طوارئ نووية للرد النووي دون أن نعرف الطريقة.
وسواء كانت التقارير الاستخبارية الأميركية والإسرائيلية، وحتى الغربية كلها صحيحة ودقيقة أم لا فإن التقديرات كلها لم تصل لدى أي جهة بالجزم بعدم امتلاك إيران لهذا السلاح. وهناك تقديرات بأن أي حملة جوية جديدة لن تحسم شيئاً جوهرياً جديداً بما في ذلك السلاح النووي المحدود أو التكتيكي إذا كان المقصود منها إحداث انقلاب في معادلة توازن الردع، أو القدرة على الرد.
هذا سياق أول، وسبب مباشر ومحدد لانعدام الحيلة والوسيلة.
أما الثاني، فهو عقم استمرار التقاصف المؤقت لأن العائد السياسي والعسكري والاقتصادي ليس سوى وصفة للاستنزاف عديم الجدوى بالتأثير على إيران، وباهظ التكاليف على أميركا.
فمثل هذه العمليات تزيد من تفاقم أزمات الطاقة، وتعزز من مخاوف شركات النقل والتأمين، وترفع من أسعار النفط والغاز، ومن أسعار عشرات السلع الحساسة في مجالات حيوية من الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، إضافة إلى سلع صناعية وزراعية وغذائية كثيرة جراء تعطل المرور عبر المضيق.
إضافة إلى مخاطر أن يشكل ارتفاع أسعار النفط والغاز مدخلاً جديداً أو متجدداً لانهيارات في الأسواق المالية ستضرب الاقتصاد الأميركي في مقتل حيث إن البورصة الأميركية تمثل ما يزيد على ٤٠٪ من سوق البورصات العالمية إضافة إلى مخاطر فقدان الكنز الأميركي الذي يتمثل في «البترودولار»، وحيث ما زال الدولار يمثل ما يقارب ٦٠٪ من الاحتياطيات النقدية في العالم.
هذا بالإضافة إلى الخسائر السياسية إن كان على مستوى علاقات أميركا بدول العالم، أو دول الإقليم بصورة عامة، وعلى الواقع السياسي في الولايات المتحدة والذي هو واقع مأزوم ومختنق ومترنح ولا تزيد حروب الممرات والسفن والناقلات سوى المزيد من الخسائر السياسية لهذه الإدارة، وسوى المزيد من التدهور في شعبية الحزب الجمهوري وفي وضع الرئيس ترامب، وفي خلخلة تماسك الإدارة الأميركية بعد أن وصلت إلى مستويات قياسية من هبوط هذه الشعبية، ومن تراجعات حادة في ثقة الجمهور بالرئيس وبالإدارة.
السياق الثالث، هو الفشل الذريع فيما سماه النورماندي الاقتصادي والحصار الخانق.
هل تذكرون عصابة الأربعة في الصين؟
لدينا عصابة الأربعة مع فارق كبير في الجوهر والمضمون في الإدارة الأميركية، وتتكون هذه العصابة من وزير الحرب ووزير الخزانة ووزير الخارجية والرئيس. هذه العصابة إما بوحي من الرئيس أو أن الثلاثة قد أوحوا له لأننا في الحالتين أمام حالة اختلال واعتلال، هي التي نظمت الانقلاب على مذكرة التفاهم مع إيران في إطار وسياق الصراع داخل مؤسسة الرئاسة والإدارة، وهي التي ورّطت الدولة الأميركية في حالة الاستعصاء الكارثية في الولايات المتحدة، الآن.
فبعد الانسداد التام لأزمة التعامل مع السندات الأميركية وأزمة المديونية جاءت السقوف الإيرانية العالية في الرد على العمليات والتهديدات لتغلق الطريق نهائياً على مخارج آمنة من أي نوع، ووضعت الرئيس ترامب أمام تحديات وجودية له كرئيس، ولإدارته كلها، ولبقايا الحزب الجمهوري ممن ما زالوا يراهنون على حسم الحرب أو الخروج منها بصورة المنتصر.
وصل الرئيس ترامب إلى طريق مسدود، وأصبح أمام خيارات، أحلاهما أمرّ من العلقم. فأما المغامرة بكل شيء (ومن بعده فليأتِ الطوفان) أو التراجع عن كامل هذا النهج قبل فوات الأوان. والتراجع عن النهج سيفضي حتماً إلى المزيد من التغييرات والاستبدالات والتخلص من بعض القيادات.
بشائر الانقلاب الجديد بدأت تتسرب تباعاً بالانتقال من الحديث عن محو إيران، وتدميرها، وتوجيه ضربات قاتلة ومُميتة لها إلى (احتواء) إيران في إطار المنظومات الأمنية الجديدة في الإقليم! والحديث بات صريحاً عن اتفاقيات أمنية تفضي إلى انسحابات من كل الأراضي السورية واللبنانية وبما يؤدي إلى نزع سلاح الحزب، ثم التأكيد على (ضرورة) تنفيذ الاتفاق في قطاع غزة كما ورد في الوثائق التي تم الاتفاق عليها، وبما يؤدي أيضاً هنا إلى نزع سلاح «حماس». طبعاً نتنياهو لا يوافق حتى الآن ولكنه لم يعد يهدد إيران مطلقاً. لم يأتِ على ذكر الضفة من قريب أو بعيد بعد، ويبدو أن الرئيس ترامب ينتظر على أحر من الجمر نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ويبدو أنه ما زال محتاراً بين أن يفاجئ العالم باتفاق جديد حول الإقليم قبل أو بعد الانتخابات الأميركية.
هذا هو البند الوحيد - كما أرى - الذي يفكر به بعدما فقد الحيلة والوسيلة.
