يحتفل العالم في الخامس من سبتمبر باليوم الدولي للعمل الخيري، يوم مكرس لتكريم روح العطاء والتضامن الإنساني، وتعزيز قيم التطوع والمبادرة المجتمعية التي تشكل درعاً حامياً ضد التفكك الاجتماعي والفقر. يتجاوز هذا الاحتفال مجرد تقديم المساعدات المادية العاجلة، ليشمل إعادة بناء النسيج البشري على أسس من التضامن والرحمة والعدالة الاجتماعية الشاملة.
اختارت الأمم المتحدة تاريخ الخامس من سبتمبر تحديداً تخليداً لذكرى الأم تريزا، الراهبة الهندية الشهيرة التي كرّست حياتها لخدمة الفقراء والمشردين في كالكوتا، والتي رحلت عام 1997 بعد مسيرة امتدت أكثر من خمسة وأربعين عاماً في العمل الإنساني، وحازت على جائزة نوبل للسلام عام 1979. بدأت القصة حين اقترحت المجر في نهاية عام 2012 إعلان يوم عالمي للعمل الخيري بناءً على مبادرة محلية ناجحة بدأت في البلاد عام 2011، وحظي الاقتراح بتأييد دولي واسع من أربع وأربعين دولة عضو في الأمم المتحدة من مختلف القارات، لتصدر المنظمة الدولية قرارها التاريخي بإعلان اليوم العالمي للعمل الخيري رسمياً.
شهد مفهوم العمل الخيري تطوراً جوهرياً مع إطلاق الأمم المتحدة لأجندة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث انتقل العمل الإنساني من مجرد تقديم الإغاثات المؤقتة والمساعدات المادية المباشرة كجمع الأطعمة والملابس، إلى معالجة الأسباب الجذرية للفقر وبناء حلول مستدامة. أصبح العمل الخيري مرتبطاً بشكل وثيق بالهدف الأول للأجندة الدولية وهو "القضاء على الفقر بكل أشكاله"، مع التركيز على صناعة فرص التعليم والرعاية الصحية والتنمية المجتمعية الشاملة. في السنوات الأخيرة، دخل العمل الخيري عصر "الرقمنة وعصرنة العطاء"، حيث استثمرت المنظمات الخيرية التقنيات الحديثة لتوسيع نطاق تأثيرها ووصولها.
يمتد هذا التطور المعاصر إلى إرث تاريخي عريق من العمل الإنساني المنظّم، طوّره قادة وسلاطين عبر التاريخ الإسلامي. أسس السلطان المريني أبو يعقوب يوسف الناصر نظاماً طبياً رائداً في مستشفى سيدي فرج بمدينة فاس عام 1286 ميلادي، حيث طوّر الطبيب الأندلسي فرج الخزرجي أساليب العلاج النفسي بطريقة مبتكرة: كان الموظفون يُختارون بعناية لجودة أصواتهم وهدوء نبراتهم، يدخلون ردهات المستشفى في الصباح والمساء ويتحدثون بإيجابية عن شفاء المرضى بصوت منخفض، مما يبعث الأمل في نفس المريض ويسرّع شفاءه النفسي والجسدي.
أسس الأمير الأيوبي ابن أتابك منشأة عُرفت باسم "المرج الأخضر" متخصصة في رعاية الحيوانات العاجزة والضعيفة، حيث خصّص لها أوقافاً ذات عائد مالي يُستخدم لشراء الأعلاف وتوفير الرعاية الطبية الدائمة للدواب. على الصعيد الاجتماعي، أطلقت السيدة فاطمة خاتون بنت محمد بك بن السلطان الغوري، بمساعدة شخصيات نسائية ثرية من طبقة الأعيان، مبادرة خيرية متخصصة في دعم الفتيات اليتيمات، حيث كانت النساء الثريات يُوقفن مجوهراتهن وملابسهن الفاخرة للفتيات المحتاجات، بل أسسن كذلك مشاريع لشراء منازل كاملة وتأثيثها للشباب غير القادرين. انتشرت هذه المبادرات بكثرة خلال العهدين المملوكي والعثماني في القاهرة ودمشق.
ابتكر السلطان نور الدين زنكي والسلطان المنصور قلاوون نظاماً علاجياً متقدماً جمع بين الطب والفن، حيث فرضوا في "حجج الأوقاف" تخصيص رواتب شهرية ثابتة لموسيقيين متخصصين يزورون المستشفى النوري بدمشق والمستشفى المنصوري بالقاهرة للعزف أمام المرضى بهدف تخفيف آلامهم النفسية والجسدية. أما القائد صلاح الدين الأيوبي فقد أضاف بُعداً صحياً مبتكراً حين بنى قلعة القاهرة، فجعل في أحد أبراجها ميزابين يسيل منهما حليب محلّى بالسكر والماء النقي مرتين أسبوعياً لدعم الأمهات المرضعات، وموّل المشروع بالكامل من ديوان الأوقاف الخاص به.
في مجال البنية التحتية والخدمات العامة، كان الخليفة الوليد بن عبد الملك أول من أسس فكرة إنارة الطرق العامة، وطوّرها لاحقاً أصحاب الحرف والتجار كأوقاف محلية في حارات مصر والشام، حيث كانوا يخصصون دكاكين وعقارات يُصرف ريعها لشراء الزيت والقناديل وتوظيف أشخاص لرش الملح والرمال في الشتاء لمنع انزلاق المارة. أما السلطان نور الدين زنكي فقد ضاعف رؤيته الإنسانية حين اشترى قرية داريّا إحدى أغنى وأكبر ضياع غوطة دمشق، وبنى فيها قصراً ومتنزهاً عاماً كبيراً وجعله وقفاً عاماً يتمتع به الفقراء والأيتام مجاناً، رافضاً احتكار الترفيه والجمال للأغنياء وحدهم، بل ضامناً المساواة والعدالة بين طبقات المجتمع في حق التمتع بملذات الحياة.
