مدار نيوز \
كتب جدعون ليفي: لدى إسرائيل خطة لغزة. من اعتقد أنها تفتقد إلى خطة لليوم التالي كان مخطئاً خطأً فادحاً. ليت الأمر كان كذلك. بعيداً عن انتباه العالم والرأي العام الإسرائيلي، فإن تنفيذ المرحلة التالية في العقيدة الإسرائيلية القائمة على المراحل جارٍ بالفعل. بعد أن استنفدت الإبادة الجماعية نفسها، وبعد أن أدى التدمير شبه الكامل غرضه، تتقدم إسرائيل بثقة نحو تطبيق المرحلة التالية من خطتها: تحويل جميع سكان غزة إلى جمهور من المعاقين والجرحى والمرضى والجوعى والمشردين والمحرومين من سبل العيش إلى الأبد.
وعندما يتحول سكان غزة إلى خليط بشري من هذا النوع، من دون مجتمع منظم، ودون خدمات أساسية، ولا مؤسسات حيوية، وبالطبع من دون قيادة، فإن تحطيم المجتمع بشكل كامل سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي لم تتخل عنها قط، وهي مرحلة التهجير. عندها فقط ستُحل مشكلة غزة نهائياً. بهذه الطريقة فقط.
وقد سُمع صدى واضح لهذه الخطة الأسبوع الماضي على لسان اثنين من منظريها ومنفذيها: قال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إن “توجيهه” هو الانتقال من السيطرة على 60% من القطاع إلى 70%؛ وكتب وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس على منصة اكس: لقد التزمنا بأن حماس لن تحكم غزة مدنياً أو عسكرياً، وهذا ما سيكون، كما أن خطة الهجرة الطوعية ستُنفذ أيضاً. كل شيء في التوقيت والطريقة المناسبين”. وبعبارة أخرى، سيتحوَّل الغزيون إلى “قطيع” يسهل نقله بعيداً من هنا في “التوقيت والطريقة المناسبين”، إذ يجب الحفاظ على النظام.
عندما يتحول سكان غزة إلى خليط بشري من هذا النوع، من دون مجتمع منظم، ودون خدمات أساسية، ولا مؤسسات حيوية، وبالطبع من دون قيادة، فإن تحطيم المجتمع بشكل كامل سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي لم تتخل عنها قط، وهي مرحلة التهجير
إن “القضاء على حكم حماس” لم يهدف إلى هذا الغرض وحده؛ فبما أن إسرائيل عارضت بشكل قاطع إدارة غزة من قبل أي جهة فلسطينية أخرى، لا السلطة الفلسطينية، ولا هيئة دولية، ولا أي جهة أخرى، ولا هي مستعدة لإدارة غزة بنفسها، فقد انكشف المستور: إنها لا تريد لأي تنظيم أن يدير الحياة في غزة. إنها تريد مليوني إنسان في الخيام. وعندها سيكون التهجير أسهل بكثير. وعندما يقول كاتس إن حماس لن تدير غزة من الناحية المدنية، فهو يعلم جيداً أنه لا توجد جهة أخرى يمكنها إدارة غزة سوى حماس، ولن تكون هناك جهة أخرى، على الأقل في المستقبل القريب. والبديل الوحيد حالياً للحكم المدني الذي تمارسه حماس هو الفوضى. وهذا الخراب والفوضى يخدمان إسرائيل ويساعدان على تنفيذ الخطة.
يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تواصل صراخها بأن غزة كلها حماس، وأن كل حماس إرهابيون. هذا بالطبع كذب؛ فغزة كلها ليست حماس، بل وإن كل من يُعرَّفون بأنهم حماس ليسوا إرهابيين. إسرائيل تعرف جيداً أن عشرات آلاف المعلمين والأطباء والشرطة وموظفي الحكومة الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة حماس ليسوا إرهابيين. إن تصنيفهم عناصر في حماس أتاح لها قتل الآلاف منهم تحت عنوان “إرهابيين”. شرطة المرور والمحاسبون والمعلمون ليسوا إرهابيين ولا يستحقون الموت. وقتلهم كان وما زال جريمة حرب. وكذلك الصحافيون الذين حصلوا على بطاقات صحافية من حماس ليسوا إرهابيين. إنهم صحافيون، وربما دعاة دعاية مثل قسم كبير من الصحفيين الإسرائيليين، لكنهم ليسوا إرهابيين.
وهكذا اصطادت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: من جهة، حصلت على شرعية، وإن كانت زائفة، للقتل غير التمييزي؛ ومن جهة أخرى، حققت مرحلة إضافية من تنفيذ خطتها الكبرى. فمن دون معلمين وأطباء وأخصائيين اجتماعيين ومهندسين وموظفين، لا يمكن أن يكون هناك مجتمع فاعل، ومن دون مجتمع فاعل يصبح تهجير سكان غزة إلى أصقاع الأرض الأربعة أسهل.
في نهاية الأسبوع، نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي مقابلة استمرت ساعتين أجراها تاكر كارلسون مع الجرّاح البريطاني من أكسفورد، الدكتور نيك ماينراد، الذي يتطوع في غزة منذ نحو 17 عاماً، يدخل إليها ويغادرها باستمرار.
إن الفظائع التي شهد بها ماينارد مما رآه بعينيه كانت كفيلة بإسقاط الفك من هولها. جثث وصلت وهي مقيدة، وأطفال أُعدموا بإطلاق النار على أعضائهم التناسلية، وأطفال رضع ماتوا جوعاً، وخدّج تُركوا في الحاضنات بأمر من الجيش الإسرائيلي وعُثر عليهم موتى بعد عدة أسابيع.
يجب على كل إسرائيلي (وكل إنسان) أن يستمع إلى هذه المقابلة. لكن حتى كل هذه الفظائع الرهيبة كان لها هدف، بحسب الكاتب: “الحل” الإسرائيلي للمشكلة المسماة غزة.
المصدر: هآرتس
