المقال الثالث من سلسلة المقالات الأسبوعية من الوعي… إلى التغيير ..حسن أبو العيلة

المقال الثالث من سلسلة المقالات الأسبوعية من الوعي… إلى التغيير ..حسن أبو العيلة

مدار نيوز \

في بداية هذا المقال ، أود أن أتقدم بالشكر لكل من تواصل معي من شخصيات رسمية وعامة وأكاديمية ، ومؤسسات رأي ، وغيرهم ، ممن عبّروا عن دعمهم وتحفيزهم ودعوتهم إلى الاستمرار في هذا الجهد الذي يهدف إلى نشر المعرفة ، وتعزيز الوعي الوطني والتوعية المجتمعية في مجالات متعددة.
وكان من أبرز الشخصيات الرسمية التي تواصلت معي الأخ حسين الشيخ “أبو جهاد”، نائب رئيس دولة فلسطين ، الذي عبّر عن شكره على هذه الكتابات والمقالات الهادفة ، ووصفها بالجهد الوطني المبارك . وكذلك الأخ زياد هبّ الريح ، وزير الداخلية ، الذي أشار خلال اجتماع لمجالس إدارة هيئة المتقاعدين المدنيين ، إلى أهمية هذه المقالات وما يمكن أن تحدثه من أثر في صناعة الفكر والوعي.
كما تلقيت دعماً وتشجيعاً من إخوة آخرين من أصحاب القامات العلمية والمجتمعية ، وهو ما يشكل حافزاً إضافياً للاستمرار في هذه التجربة ، والتفكير في نهاية هذه السلسلة ، في إصدار كتاب علمي يتناول مجالات الإدارة وتنوعها ، والسلوك الفردي والمجتمعي ، والتغيير والتطوير والتنمية ، والتفكير والتخطيط الاستراتيجي ، ليكون خلاصة لهذه السلسلة من المقالات.
شكراً من القلب لكل من وصلته الفكرة ، وسعى إلى دعمها وتطويرها.
في مقال الأسبوع الماضي ، تحدثت عن الوعي الفردي والمجتمعي ، مبيناً معانيه اللغوية والاصطلاحية ، وأبعاده المختلفة وما يرتبط به. واستكمالاً لذلك ، سأحاول في هذا المقال الربط بين الوعي والتغيير والتطوير المنشود.
فماذا يعني التغيير لغةً واصطلاحاً ؟
التغيير لغةً .. الانتقال أو التحول من حال إلى حال أخرى.
أما التغيير اصطلاحاً .. فهو الانتقال من وضع قائم إلى وضع مختلف عنه ، نتيجة تعديل أو تحول مقصود.
وفي الفكر الإداري والاجتماعي .. يمكن النظر إلى التغيير باعتباره تعديلاً جزئياً أو شاملاً في الكيانات الإدارية أو المجتمعات أو السلوكيات ، والانتقال بها من واقع قائم إلى واقع آخر مرغوب ومخطط له ، بما يؤدي إلى نتائج وأساليب عمل مختلفة عما سبق.
ويُعد التغيير المرغوب والمدروس أحد متطلبات الاستدامة ، فالكيان الإداري أو المجتمعي الذي يكتفي بالتكيف مع المتغيرات دون أن يراجع نفسه ويطور أدواته قد يقع فيما يمكن وصفه بـ “التكيف المميت” ، أي أن يستمر في أساليبه المعتادة معتقداً أنه يتكيف مع البيئة المحيطة ، في حين أنه يفقد تدريجياً قدرته على التطور والاستمرار.
ومن هنا يمكن القول …
إن التغيير المخطط هو نافذتنا ومنفذنا نحو المستقبل.
مراحل التغيير ….
تبدأ عملية التغيير بالاستشعار الحقيقي للحاجة إليه. فالتغيير لا يحدث في يوم وليلة ، وإنما يمر بمراحل متعددة تساعدنا على الانتقال من واقع قائم نرغب في تغييره إلى واقع أفضل.
ويتطلب ذلك معرفة جيدة بالنماذج والطرق والأساليب المناسبة ، إلى جانب امتلاك المهارات اللازمة لإحداث التحول المنشود.
وقد نتعثر في مرحلة ما ، أو نشعر بالتراجع في مرحلة أخرى ، وهذا أمر طبيعي ، فرحلة التغيير تحتاج إلى الوعي والصبر والإرادة والاستمرار ، وإلى فهم أبعاد التغيير والغاية منه للوصول إلى التحول المطلوب.
وسأتناول فيما يلي ، بصورة موجزة ، أهم مراحل التغيير:
1. الوعي بالمشكلة والرغبة في التغيير
تبدأ رحلة التغيير عندما نعي وندرك أن هناك أمراً ما يحتاج إلى تحسين أو تطوير ، سواء كان سلوكاً ، أو عادة ، أو طريقة تفكير ، أو واقعاً لا نشعر بالرضا عنه.
ومن هذا الوعي تتولد الرغبة في التغيير بعد أن نحدد ما الذي نريد تغييره.
فمعرفة الخطأ أو المشكلة وحدها لا تكفي ، ما لم ترافقها رغبة حقيقية في التحسين والانتقال إلى وضع أفضل.
2. القرار
يمثل القرار الانتقال من مرحلة التفكير في التغيير إلى مرحلة الالتزام به.
فالقرار الواضح والمحدد بأهدافه يمنح الإنسان اتجاهاً ، ويحوّل الرغبة من مجرد فكرة إلى التزام عملي يمكن البناء عليه.
3. التخطيط للتغيير
لا يكفي أن نعرف ماذا نريد ؟ وإنما يجب أن نعرف أيضاً ،
لماذا نريد التغيير ؟ وكيف سنحققه ؟ ومن سيشارك فيه ؟ وما الذي نحتاج إليه ؟ وأين ومتى سيحدث ؟
وهذه الأسئلة تقود إلى تحديد الخطوات والموارد والمسؤوليات والاستراتيجيات والبدائل المناسبة ، وهي موضوعات واسعة يصعب تناول تفاصيلها في مقال واحد.
4. كيف نبدأ ؟
تعد البداية من أصعب مراحل التغيير في كثير من الأحيان.
لكن من الخطأ أن ننتظر الظروف المثالية ، فقد لا تأتي بالصورة التي نتوقعها.
لذلك ، ابدأ بما تستطيع ، ومن حيث أنت ، حتى لو كانت الخطوة صغيرة ، لأن التغيير الحقيقي في كثير من الأحيان عملية تراكمية ، تبدأ بخطوات بسيطة ثم تتوسع مع الاستمرار.
5. مقاومة التغيير
قد ترافق بداية التغيير مشاعر الخوف والشك والقلق ، إضافة إلى التمسك بالعادات القديمة ، وقد تقود هذه المشاعر أحياناً إلى الرفض أو التراجع.
لكن مقاومة التغيير لا تعني بالضرورة الفشل ، بل قد تكون مؤشراً على أن الإنسان بدأ بالخروج من منطقة الراحة والمألوف . وهنا تظهر أهمية الاستمرارية ، فحتى لو كان التقدم بطيئاً ، فإن المهم ألّا نجعل من التعثر سبباً للتوقف.
فتدفق ماء النهر لا توقفه الحجارة ، وإنما يجد طريقه بينها ويواصل المسير.
6. التكيف مع التغيير
مع الاستمرار ومرور الوقت ، تبدأ الكثير من المخاوف والعقبات التي رافقت مرحلة المقاومة بالتراجع ، ويبدأ الفرد أو الكيان بالتكيف مع الواقع الجديد.
وفي هذه المرحلة نتعلم كيف نتعامل مع الظروف المختلفة ، وكيف نعدل خططنا وأساليبنا عند الحاجة ، دون أن نتخلى عن أهدافنا الأساسية.
فالتكيف الناجح لا يعني التخلي عن الهدف ، بل امتلاك المرونة في اختيار الطريق المؤدي إليه.
7. نتائج عملية التغيير
عند تقدم عملية التغيير المخطط والمدروس ، تبدأ النتائج بالظهور تدريجياً .
وقد تتمثل هذه النتائج في زيادة الثقة بالعملية ومخرجاتها ، وتحسين جودة الأداء ، والارتقاء بالقدرات والعلاقات ، وتحقيق أهداف كنا في السابق نعتقد أنها بعيدة أو صعبة المنال.
وهنا يصبح قياس النتائج مهماً ، حتى نعرف ما الذي نجح ، وما الذي يحتاج إلى تطوير أو تصحيح.
8. التحول في التفكير
تمثل هذه المرحلة مستوى أكثر تقدماً من التغيير ، إذ لا يعود التغيير مجرد محاولة مؤقتة ، وإنما يتحول تدريجياً إلى جزء من الشخصية أو الثقافة أو أسلوب العمل والحياة.
وهنا يصبح التفكير أكثر مرونة ، وتتعدد طرق التعامل مع المشكلات والفرص ، ويصبح التغيير أكثر ثباتاً واستدامة.
فالغاية الحقيقية ليست أن نقوم بالتغيير مرة واحدة ، بل أن نطور القدرة على التغيير كلما دعت الحاجة إليه.
عناصر هندسة التغيير
يمكن تلخيص عدد من العناصر الأساسية لهندسة التغيير فيما يلي :-
1. أن يُنظر إلى التغيير باعتباره عنصراً أساسياً وضرورياً في حياتنا الخاصة والعامة ، وليس استجابة مؤقتة للأزمات فقط.
2. أن يكون التغيير قادراً ، عند الحاجة ، على الوصول إلى جذور المشكلة وإحداث تحول حقيقي ، لا مجرد معالجة مظاهرها الخارجية.
3. أن تستهدف عملية التغيير نتائج جوهرية ذات أثر ملموس ، وليس تغييراً شكلياً محدود النتائج.
4. أن تشمل عملية التغيير مراجعة الأنماط والأساليب المعتادة عندما تصبح غير قادرة على تحقيق النتائج المطلوبة.
5. أن تعتمد عملية التغيير على الملاحظة والتحليل والتعلم من الواقع والتجربة ، وعلى بناء القرارات وفق معرفة وفهم واضحين للمشكلة والهدف.
توصيات
1. التغيير لا يعني أن نصبح أشخاصاً آخرين أو كيانات مختلفة تماماً ، وإنما أن نصبح نسخة أفضل مما كنا عليه.
2. ،لا تقارن بدايتك بنهاية تجربة شخص آخر أو كيان آخر ابدأ بخطوة صغيرة ، ثم أضف إليها خطوة أخرى ، واستمر.
3. الخطوة التي قد تبدو بسيطة اليوم قد تكون بداية تحول كبير في المستقبل.
4. لا تجعل التعثر دليلاً على فشل عملية التغيير ، راجع السبب ، وعدّل الأسلوب ، ثم واصل السير نحو الهدف.
5. استدامة التغيير تحتاج إلى مراجعة النتائج باستمرار ، والتعلم منها ، وتحويل السلوك الجديد إلى ممارسة مستقرة.
تجربة عملية بسيطة
ابدأ رحلة التغيير بنفسك.
اختر عادة يومية في حياتك لا تشعر بالرضا عنها وترغب في تغييرها ، ثم حاول تطبيق المراحل السابقة عليها ، الوعي بالمشكلة ، اتخاذ القرار ، التخطيط ، البدء ، مواجهة المقاومة ، التكيف ، قياس النتائج ، ثم تثبيت التغيير.
فعلى سبيل المثال ، إذا كان الهدف هو التوقف عن التدخين ، مقاطعة منتج الإحتلال ، السلوك الرأسمالي في الاستهلاك ، فلا تنظر إليه باعتباره قراراً لحظياً فقط ، وإنما تعامل معه كرحلة تغيير لها أسبابها وخطتها ومراحلها وتحدياتها ونتائجها.
وفي النهاية ، يبقى الوعي هو بداية التغيير ، لكن التغيير الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يتحول الوعي إلى قرار ، والقرار إلى ممارسة ، والممارسة إلى سلوك مستدام.
ملاحظة: استند جزء من التعريفات الواردة في المقال إلى مصادر علمية موثوقة.
مقال الأسبوع القادم بعنوان
مغادرة منطقة الراحة

أحدث الأخبار