مدار نيوز \
في مقال الأسبوع الثالث تناولت التغيير ومراحله ، وكانت مقاومة التغيير احدى هذه المراحل ، إذ قد تنشأ نتيجة عوامل نفسية مثل القلق والخوف والشك ، والتمسك بما هو مألوف . وهنا يبرز مفهوم يتكرر كثيراً عند الحديث عن التغيير ، وهو منطقة الراحة .
فما المقصود بمنطقة الراحة؟
يمكن وصف منطقة الراحة بأنها حالة نفسية وسلوكية يميل فيها الإنسان إلى البقاء ضمن انماط وظروف مألوفة تمنحه شعوراً نسبياً بالأمان والسيطرة ، مع تجنب التحديات الجديدة أو المخاطر غير المعتادة .
ولا تكمن المشكلة في الشعور بالراحة بحد ذاته ، فالانسان يحتاج إلى الاستقرار والطمأنينة ، وانما تبدأ المشكلة عندما تتحول الراحة إلى حالة دائمة تمنع الفرد من التعلم والتجربة والتطور ، وتحد من قدرته على اكتساب خبرات ومعارف جديدة وتحقيق طموحاته.
فالاستقرار إذا تحول إلى جمود قد يصبح عائقاً أمام النمو.
وينطبق ذلك ، بصورة أوسع ، على المجتمعات والمؤسسات أيضاً ، فالبقاء أسيراً للأفكار والأنماط المعتادة ، ورفض الحوار أو التغيير أو قبول الرأي الآخر ، قد يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ ” العقل المحاصر ” ، الذي يكرر الأدوات ذاتها ويتوقع نتائج مختلفة ، ويبقى يدور داخل ازماته بدل البحث عن طرق جديدة للخروج منها.
ومن هنا يصبح الخروج الواعي والمدروس من منطقة الراحة ضرورة للنمو ، لا دعوة إلى التهور أو المخاطرة غير المحسوبة.
وساعرض ، استناداً إلى معارف ودراسات سابقة ، بعض الجوانب المرتبطة بمنطقة الراحة ، وكيف يمكن أن يساعد فهمها على مغادرتها.
وكما ذكرت في بداية المقال ، فإن منطقة الراحة ترتبط غالباً بالشعور بالأمان وانخفاض المخاطر ، في حين ان مغادرتها قد يرافقها الخوف والقلق ومقاومة التغيير . لكن البقاء فيها طويلاً قد يحد من النمو والتطور والطموح والإبداع.
1. الشعور بالأمان وانخفاض المخاطر
الشعور بالأمان حاجة إنسانية طبيعية ، لكن الافراط في تجنب المخاطر قد يجعل الانسان أسيراً لما يعرفه ويعتاده.
فعندما نختار دائماً الطريق الأسهل والأكثر ضماناً ، قد نقلل في الوقت نفسه فرص التجربة والإنجاز والتعلم.
لذلك لا يعني الخروج من منطقة الراحة التخلي عن الأمان ، وإنما توسيع حدود ما نستطيع القيام به بصورة تدريجية ومدروسة.
2. الخوف
الخوف من المجهول أو الفشل أو آراء الآخرين قد يؤثر في الثقة بالنفس ، ويجعل الانسان اكثر تردداً في اتخاذ قرارات جديدة ربما تحمل فرصاً أفضل للتطور.
لكن وجود الخوف لا يعني بالضرورة أن نتراجع ، بل قد يكون مؤشراً على أننا أمام تجربة جديدة لم نعتدها بعد.
والشجاعة هنا لا تعني غياب الخوف ، وانما القدرة على التعامل معه بعقل ووعي دون السماح له بان يصبح صاحب القرار.
3. النمو والتطور
البقاء في الأنماط ذاتها لفترات طويلة قد يحد من اكتساب المهارات والخبرات الجديدة ، ويضعف قدرة الانسان على التعامل مع المشكلات والمتغيرات الناشئة.
أما الخروج التدريجي من منطقة الراحة ، فيوسع الادراك ، ويزيد المرونة ، ويدفع الانسان إلى اكتساب ادوات واساليب جديدة تساعده على مواجهة التحديات بصورة افضل .
4. الطموح وتحقيق الأهداف
قد تصبح منطقة الراحة عائقاً أمام الطموح عندما تجعل الانسان يفضل ما اعتاده على ما يمكن ان يحققه.
أما تجربة الجديد ، وتحمل قدر محسوب من المخاطرة ، والسعي إلى اهداف اعلى ، فقد تفتح امام الانسان فرصاً لم يكن ليراها لو بقي في مكانه.
فالطموح يحتاج إلى حركة ، والنمو يحتاج إلى مساحة تتجاوز حدود المألوف.
وعندما يستطيع الانسان التعامل مع مخاوفه ومغادرة منطقة الراحة بصورة واعية ، تبدأ أمامه رحلة التغيير التي تحدث تدريجياً ، لا دفعة واحدة.
ومع الاستمرار يصل الانسان إلى مرحلة التحول ، حيث لا يعود التغيير مجرد فكرة أو تجربة مؤقتة ، وانما يبدأ في الانعكاس على طريقة التفكير والقرارات والسلوك.
وعندها تصبح الافعال اكثر انسجاماً مع الرسالة والأهداف والغايات ، ويبدأ أثر هذا التحول بالظهور على الفرد ومن حوله.
تذكر أن…
الخوف من الخطوة الأولى أمر طبيعي ، لكن البقاء في المكان ذاته لن يصنع واقعاً مختلفاً ، ابدأ بخطوة صغيرة اليوم ، تعلم شيئاً جديداً ، واجه تحدياً كنت تؤجله ، او اتخذ قراراً يقربك من الهدف الذي تريد الوصول إليه
رحلة التغيير تبدأ عندما تقرر ألا تجعل منطقة الراحة نهاية الطريق ، ففهم العالم والتعامل مع متغيراته لا يتحققان من موقع الجمود ، وانما من خلال الملاحظة والتجربة والتعلم والمراجعة المستمرة.
توصيات
عندما تقرر أن تبدأ رحلة التغيير ، قد تجد نفسك أحياناً أمام مفاضلة بين نوعين من الألم …..
الأول: ألم المخاطرة.
والثاني: ألم الندم.
وهنا عليك أن تستخدم عقلك ، وان تدرس الموقف بوضوح ، وألا تسمح للخوف او الانفعال وحدهما بأن يقودا قراراتك.
وتذكر ما يلي:
ألم المخاطرة قد يكون صعباً ، لأنه يحمل الخوف من الفشل او التغيير او المجهول ، لكنه قد يكون ألماً مؤقتاً يقود إلى التعلم والتطور والنضج والقوة.
ألم الندم قد يأتي عندما نؤجل باستمرار ، ونسمح للخوف بأن يمنعنا من استثمار الفرص المتاحة ، ثم نكتشف لاحقاً اننا كنا قادرين على المحاولة ولم نفعل.
المخاطرة لا تعني التهور . فالشجاعة ليست اتخاذ القرارات دون تفكير ، وانما دراسة الخيارات ، وتقدير النتائج والمخاطر ، ثم اتخاذ القرار المناسب بوعي.
لا تجعل خوفك من صعوبة الخطوة يدفعك إلى البقاء في وضع لا يخدم مستقبلك او اهدافك.
ليست كل تجربة صعبة سبباً للهروب ، فبعض التحديات قد تكون مدخلاً للنمو ، وبعض القرارات الصعبة اليوم قد تجنبنا ندماً اكبر في المستقبل.
قد يكون ألم المخاطرة مؤقتاً ، بينما قد يمتد ألم الندم طويلاً ، لذلك فكر ، ووازن ، ثم قرر بوعي.
وفي النهاية ، فإن الخروج من منطقة الراحة لا يعني القفز إلى المجهول ، بل توسيع حدود الممكن خطوة بعد أخرى.
فالانسان لا ينمو عندما يكرر ما يعرفه فقط ، وانما عندما يمنح نفسه فرصة للتعلم والتجربة ، ويواجه مخاوفه بوعي ، ويحول التحديات إلى فرص للتطور.
واخيراً الى اخواني ، واخواتي ، ابنائي، وبناتي ، إلى شعبنا العظيم ، وانتم ترثون امجاد اجيال قضت في سبيل الحرية والكرامة ، ورِفْعَت شعب يستحق المجد والحياة ، أن تكونوا في منطقة الراحة ، فهذا سلوك لا يليق بكم ، وليعمل كلٌ بقدر استطاعته لبناء دولتنا وتحصينها ، وحماية مقدراتها ، واعلاء شأنها بين الامم والشعوب ، ففي فكر حرب الشعب لكل دوره في النضال ، ولا تسمحوا لاحد أن يصادر ارادتكم وتذكروا دوماً قول الشاعر ابو القاسم الشابي في قصيدته ” ارادة الحياة ” ……
إذا الشعب يوماً اراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر .
ومن لا يهوى صعودا الجبال .. يعش ابد الدهر بين الحفر .
ملاحظة: استند جزء من المفاهيم والتعريفات الواردة في المقال إلى مصادر ودراسات علمية ذات صلة.
مقال الأسبوع القادم بعنوان
تغيير التفكير والسلوك







