هاجم عشرات المستوطنين الإسرائيليين الملثمين، اليوم الجمعة، مزارعين فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون في قرية أبو فلاح شمال شرق رام الله، وأضرموا النيران في أشجار الزيتون ورشقوا المواطنين والصحفيين بالحجارة، فيما اعتدوا بالضرب على المصورة الصحفية المخضرمة في صحيفة "واشنطن بوست" هايدي ليفين، وسرقوا كاميراتها وهاتفها، وسط اتهامات لشهود عيان قوات الاحتلال بالتقاعس عن وقف الاعتداءات.
وأفادت صحيفة واشنطن بوست بأن ليفين، التي كانت ترتدي سترة واقية تحمل بوضوح كلمة "صحافة" على جانبيها، تعرضت للطرح أرضا والركل مرارا، كما جرى الاستيلاء على كاميراتها وهاتفها، قبل نقلها إلى أحد المستشفيات في منطقة رام الله لتلقي العلاج.
وقال شهود عيان إن عشرات المستوطنين، الذين ارتدوا ملابس سوداء وأخفوا وجوههم، نزلوا من مستوطنة تقع على قمة تل بالقرب من قرية أبو فلاح، حيث كانت عائلات فلسطينية تجمع محصول الزيتون، وشنوا هجوما منسقا شمل إحراق الأشجار ورشق المواطنين بالحجارة باستخدام المقاليع، فيما أظهرت تسجيلات مصورة تفاصيل الاعتداءات.
وأضاف الشهود أن المستوطنين طاردوا مجموعة من الصحفيين لمسافة نحو 80 ياردة، أي قرابة 73 مترا، بعيدا عن موقع الاعتداء.
ونقلت الصحيفة عن ليفين قولها إنها فوجئت بمجموعة من المهاجمين الذين اعتدوا عليها وأسقطوها أرضا، فيما أظهر تسجيل مصور التقطه صحفي آخر تعرضها للضرب المتكرر أثناء وجودها على الأرض.
وقالت ليفين للصحفيين إن المستوطنين واصلوا ركلها مرارا، مضيفة أنهم اعتدوا عليها نحو 50 مرة.
من جانبه، قال أندريه خرزانوفسكي، وهو مدون وثق الهجوم بالفيديو، إن المستوطنين ضربوا ليفين بالعصي، بينما اضطر الصحفيون والمواطنون إلى التراجع تحت وطأة الاعتداءات.
وأضاف أن شبانا من القرية تمكنوا من دفع المستوطنين إلى الخلف، فيما وصل الصحفي الأميركي جاسبر ناثانيال إلى ليفين، وساعدها مع آخرين على الوصول إلى مكان آمن.
وبعد أن نقل المسعفون الفلسطينيون ليفين من المكان، جدد المستوطنون هجومهم، ورشقوا عددا من الصحفيين بالحجارة.
وقال خرزانوفسكي إن قوات الاحتلال وصلت إلى المنطقة قبيل الهجوم، وإن وجودها بدا وكأنه شجع المستوطنين على مواصلة اعتداءاتهم.
وأضاف أن الجنود أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه الفلسطينيين، دون اتخاذ أي إجراء لوقف المستوطنين.
بدوره، قال الصحفي المستقل أورين زيف، الذي شهد الاعتداء، إن فلسطينيا أصيب بالرصاص خلال الأحداث.
ولم يصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي ولا مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ردا فوريا على طلبات التعليق التي وجهتها الصحيفة.
واشنطن بوست تطالب بالتحقيق
من جهته، أصدر مات موراي، رئيس تحرير صحيفة "واشنطن بوست"، بيانا طالب فيه بإجراء تحقيق في الاعتداء على ليفين.
وقال موراي إن المصورة الصحفية تعرضت صباح الجمعة لهجوم من مستوطنين إسرائيليين أثناء تغطيتها الصحفية في الضفة الغربية، رغم ارتدائها ملابس تحمل علامات واضحة تدل على أنها صحفية.
وأضاف أن الصحيفة أعربت عن ارتياحها لتلقي ليفين العلاج وضمان سلامتها، لكنها أعربت عن غضبها إزاء الاعتداء الذي استهدف صحفية كانت تؤدي عملها، داعية السلطات إلى إجراء تحقيق شامل ومتابعة نتائجه.
وتعمل ليفين في التصوير الصحفي منذ عقود، وغطت نزاعات في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وأوكرانيا.
وجاء الاعتداء بعد عشرة أيام من تعرض المصور الصحفي في وكالة الصحافة الفرنسية جعفر اشتية للضرب بأعقاب البنادق على أيدي مستوطنين في قرية عقربا شمالي الضفة الغربية.
تصاعد اعتداءات المستوطنين خلال موسم الزيتون
ووفقا للأمم المتحدة، وثقت المنظمة أكثر من 1600 هجوم نفذه مستوطنون بين كانون الثاني/ يناير وآب/ أغسطس، وأسفرت هذه الهجمات عن إصابات أو أضرار في الممتلكات.
وأضافت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 76 فلسطينيا في الضفة الغربية استشهدوا برصاص قوات الاحتلال أو المستوطنين منذ 28 شباط/ فبراير.
وتعد الملاحقات القضائية للمستوطنين على خلفية هذه الاعتداءات نادرة. وكانت إسرائيل قد وجهت في آب/ أغسطس اتهاما إلى أحد المستوطنين في قضية قتل ناشط فلسطيني، في خطوة قالت منظمة "يش دين" الحقوقية إنها أول اتهام من نوعه يوجه إلى مدني إسرائيلي منذ عام 2019.
في المقابل، حمل مجلس مستوطنات "بنيامين الإقليمي"، وهو هيئة جامعة للمستوطنات اليهودية في المنطقة، السلطة الفلسطينية مسؤولية التوتر، مدعيا أنها نظمت تجمعات ضمت "مئات الفوضويين" لمواجهة إسرائيليين قرب مستوطنة مشولاش.
وزعم المجلس أن هؤلاء جاؤوا إلى المنطقة لإثارة المواجهات تحت غطاء موسم قطف الزيتون، في إطار ما وصفه بحملة "عنف المستوطنين".
لكن صحفيين كانوا في موقع الأحداث قالوا إن المواجهات اندلعت عندما هاجم مستوطنون فلسطينيين، في سياق اعتداءات باتت تتكرر بصورة متزايدة في الضفة الغربية.
ويشهد موسم قطف الزيتون، الذي يشكل تقليدا سنويا في فصل الخريف ومصدرا أساسيا للدخل لكثير من العائلات الفلسطينية، تصاعدا في اعتداءات المستوطنين.
وكانت ليفين برفقة مجموعة من الصحفيين قرب بساتين الزيتون خارج قرية أبو فلاح عند نحو الساعة الثامنة والنصف صباح الجمعة، وهو الوقت الذي تتوجه فيه العائلات عادة إلى قطف الثمار.
وقال خرزانوفسكي، وهو ناشط وصحفي مصور إسرائيلي من أصل روسي يوثق اعتداءات المستوطنين تحت اسم "أندريه إكس"، إن احتمال وقوع هجوم كان مرتفعا، مشيرا إلى أن مستوطنين من مستوطنة مشولاش القريبة اعتادوا مضايقة سكان القرية.
وأضاف أن التوتر كان قائما قبل وصول الصحفيين، إذ أحرق مستوطنون سيارات في قرية ترمسعيا المجاورة، بينما سارعت العائلات في أبو فلاح إلى جمع الزيتون من الأشجار، في وقت شوهد فيه ملثمون يتجمعون على قمة التل المطل على القرية.
وبعد نحو نصف ساعة، بدأ المستوطنون النزول من التل، وتوقفت مجموعة يزيد عدد أفرادها على 50 شخصا في منتصف المنحدر، وأضرمت النار في عدة مواقع داخل بساتين الزيتون، وبدأت برشق القاطفين بالحجارة باستخدام المقاليع، بحسب الشهود.
وقال خرزانوفسكي إن شبانا من القرية ردوا برشق المستوطنين بالحجارة.
وأوضح زيف أن مركبات عسكرية إسرائيلية مرت في المكان دون محاولة السيطرة على المستوطنين الملثمين، مضيفا أن ذلك منحهم الثقة لمواصلة الهجوم.
وواصل المستوطنون تقدمهم نحو السهل، وأحرقوا مزيدا من الأشجار وألقوا الحجارة، قبل أن يُسمع إطلاق نار، ما دفع المواطنين والصحفيين إلى الفرار، فيما طاردهم المستوطنون لمسافة تقارب 73 مترا على الطريق.
وقالت ليفين إنها سقطت أرضا وتُركت خلف المجموعة، مضيفة أنها تعرضت للهجوم ودُفعت إلى الأرض.
وشاهد خرزانوفسكي المستوطنين يضربونها بالعصي من مسافة قريبة، قبل أن يتدخل شبان القرية ويرشقوا المهاجمين بالحجارة، ما أجبرهم على التراجع، فيما سارع ناثانيال إلى الوصول إلى ليفين ومساعدتها على التحرك باتجاه القرية، قبل أن ينقلها المسعفون إلى سيارة إسعاف.
ومع وصول مزيد من جنود الاحتلال، توقفت مركباتهم إلى جانب المستوطنين الذين ظلوا ملثمين ويحملون العصي والمقاليع، وأطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه الفلسطينيين، وفق الشهود.
وأكد زيف أن جيش الاحتلال لم يتخذ أي إجراء لوقف اعتداءات المستوطنين.
