من الواضح أن استمرار حروب نتنياهو تمنحه مساحة للبقاء السياسي، كما قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات المقررة في شهر كانون الأول القادم، وهو ما يتوافق مع رغباته، خصوصاً كلما تكشف له أن النجاح في الانتخابات القادمة هو أمر معقد أو صعب، بسبب تغير معادلات المنافسة لغير صالحه، ناهيك عن الدور الفلسطيني، الذي قد يعمل لغير مصلحته أيضاً.
وتواصل إسرائيل حروبها في غزة ولبنان، وتبقى أبواب تجددها مفتوحة مع إيران. وقد تكون محاولات حكومة الاحتلال لاستئناف الحرب على إيران منطقية وفق حسابات نتنياهو، إذا توافق ذلك مع مصالحه الانتخابية.
يعتبر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الأطول بقاءً في السلطة في تاريخ إسرائيل. وهيمن حزب الليكود اليميني بقيادته على المشهد السياسي الإسرائيلي منذ العام ٢٠٠٩. يستطيع نتنياهو، الخبير في البقاء السياسي، الاحتفاظ بالسلطة لأشهر إضافية محدودة بعد موعد الانتخابات، لتحسين وضعه الإنتخابي. يمكن قانونياً تأجيل الانتخابات في إسرائيل بصعوبة، فقد يتطلب ذلك في ظل ظرف طوارئ استثنائي، استصدار تشريع خاص من البرلمان الإسرائيلي "الكنيست"، بتوافق سياسي واسع. وقد تحقق ذلك في الماضي مرة واحدة فقط خلال حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، تأجلت معها الانتخابات لشهرين. إلا أن ذلك ليس بالقضية المضمونة، فقد يتصاعد الضغط الشعبي في الشارع الإسرائيلي لإرغامه على فتح صندوق الاقتراع، وفق القانون، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً.
وقد هزم نتنياهو في انتخابات عام ٢٠٢١، بسبب ملفات الفساد التي اتهم بها، والتي لا تزال مفتوحة، ويخضع نتنياهو بسببها حتى الان لجلسات تحقيق. شكل نتنياهو في ائتلافه الحكومي الأخير، الذي جاء نهاية العام ٢٠٢٢ حكومة يمينية، تعد الأشد تطرفاً في تاريخ إسرائيل. فقد تسببت بإثارة الجدل والتصادم مع تيار واسع في البلاد حول قضايا تتعلق بالإصلاح القضائي وتجنيد المتدينين. كما شكلت الجرائم التي اقترفت بحق المدنيين في الحروب التي شنتها حكومته، خصوصا في غزة، مثار انتقاد دولي واسع، لم تشهد إسرائيل حدته من قبل. ويتهم نتنياهو بسوء الأداء في حرب غزة والتعامل مع قضية المحتجزين الإسرائيليين فيها، ورفض السماح باجراء تحقيق حول أحداث السابع من أكتوبر، وكذلك اتهامات بفتح جبهات وشن حروب من أجل أهداف سياسية داخلية لمصلحته، وهي التي تجعل فتح أي جبهة للقتال متزامنة مع الانتخابات حجة مكشوفة.
نهاية الشهر الماضي، أعلن رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد عن تشكيل تحالف سياسي جديد بين حزبيهما "هناك مستقبل" و"بينيت ٢٠٢٦"، تحت اسم "معاً"، استعدادًا لخوض انتخابات الكنيست المقبلة. ولا يعد ذلك التحالف بينهما الأول، فقد اتحدا في العام ٢٠٢١، وشكلا "حكومة التغيير"، التي أنهت ١٢ عاماً من احتكار نتنياهو للسلطة. في ذلك العام لعب الفلسطينيون دوراً محورياً في مساعدة تحالف بينت - لابيد لهزيمة نتنياهو. فقد جرى ضم القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس إلى التحالف، لكن دون حصولها على حقائب وزارية. ويعد تحالف "معاً" أهم مبادرة لترتيب مكانة المعارضة في مواجهة نتنياهو في الانتخابات القريبة القادمة.
يصنف حزب "بينت ٢٠٢٦" على أنه يميني قومي تأسس العام الماضي. وتولى رئيسه قيادة حزب "البيت اليهودي" في العام ٢٠١٢، وانفصل عنه بعد ذلك وأسس حزب اليمين الجديد في العام ٢٠١٨، ثم قاد تحالف يمينا في العام التالي، الذي ضم عدد من الأحزاب اليمينية. من ناحية أخرى، يعتبر حزب لابيد "هناك مستقبل" وسطي علماني ليبرالي، تأسس في العام ٢٠١٢، وظهر بقوة في الانتخابات في العام التالي. يبدو الاختلاف الأيديولوجي ظاهراً بين حزبي بينت ولابيد، وكان بالفعل سبباً لوصف تحالفهما الماضي بالهش، واعتبر ذلك من بين أسباب انحلاله بعد عام ونصف من قيادة البلاد. جاء ذلك التحالف في الماضي لتحقيق هدف سياسي مشترك ارتبط بالإطاحة بنتنياهو من صدارة المشهد السياسي، وهو ما يتكرر اليوم.
يلتقي بينيت ولابيد تكتيكياً في ملفات تتعلق بإدارة الدولة ومعارضة سياسات نتنياهو، وإن تباينت أيديولوجية كل منهما. دفعت حكومة نتنياهو باتجاه تغييرات تمنح السياسيين والأحزاب في الكنيست نفوذاً أكبر في اختيار القضاة، وهو ما أثار احتجاجات واسعة واعتبر تهديداً لاستقلال القضاء وتسيساً له. وتسعى حكومة نتنياهو لتمرير قانون يحافظ على إعفاءات واسعة لطلاب المدارس الدينية، وذلك حفاظاً على مصالح حلفائه المتدينيين في حزبي شاس ويهدوت هتوراه، اليهود الشرقيين والغربيين. ويدعم بينت، على سبيل المثال، سياسة تجنيد المتدينين "الحراديم، بذريعة الضرورة الأمنية، بينما يؤيد لابيد ذلك ومن باب المساواة وعدم التمييز.
ويتقاطع موقف الرجلين في قضايا عديدة أخرى. يتفق بينت ولابيد مع نتنياهو حول الحرب ضد حركة حماس في غزة، وضد لبنان وإيران، وإن اختلفا معه في طريقة ادارته لها. وانتقد الرجلان تعامل نتنياهو مع قضية المحتجزين الإسرائيليين في القطاع، فاعتبارها أولوية على استمرار الحرب. ويتهم بينت ولابيد نتنياهو بالتهرب من تشكيل لجنة تحقيق رسمية لأحداث السابع من أكتوبر. وفي حرب لبنان، يتبنى كلاهما ردع لبنان، مع تشدد بينت بتعامل أشدّ لإبعاد حزب الله عن الحدود، وانتقاد الثاني غياب استراتيجية شاملة.
تقاطع موقف بينت ولابيد حول القضية الفلسطينية، وإن بدت مواقف الثاني أكثر دبلوماسية. ففي حين يرفض الأول المفاوضات مع الفلسطينيين وحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية، يقبل الثاني بالمفاوضات دون تنازلات جوهرية، وحل الدولتين والدولة الفلسطينية وفق شروط أمنية صارمة، ودون انسحاب كامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧. ويؤيد بينت الاستيطان والضم، فقد كان رئيساً لمجلس "يشع" الممثل للمستوطنين بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٢، بينما يكتفي لابيد بتأييد الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى وعدم تفكيكها، والبناء داخل المستوطنات القائمة.
تعتبر مواقف نتنياهو وحكومته الأشد تطرفاً تجاه القضية الفلسطينية، مقارنة مع مواقف بينت ولابيد. ترى حكومة نتنياهو في اتفاقياتها الائتلافية أن لليهود فقط، في جميع أجزاء أرض "إسرائيل" بما فيها "يهودا والسامرة"، أي الضفة الغربية، حقًا حصرياً وغير قابل للتصرف. وترجم نتنياهو ذلك عندما اعتبر أن قيام دولة فلسطينية يشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل. وكلف وزراء حكومته، ايتمار بن غفير، زعيم حزب القوة اليهودية، وبتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب الصهيونية الدينية، اليمينيين المتطرفين، بمناصب تحقق ذلك التوجه.
ويشغل الأول منصب وزير الأمن القومي، ويتحكم بوظائف الشرطة ومصلحة السجون في الأراضي المحتلة، والمسؤول الأول عن استراتيجية التوسع في انتشار السلاح بين المستوطنين. ويسيطر الثاني، كوزير للمالية ويتمتع بصلاحيات في وزارة الأمن، على ملفات تتعلق بالإدارة المدنية والاستيطان في الضفة الغربية، وله دور مهم في تنفيذ سياسة الضم الفعلي فيها.
يسعى بينت ولابيد لضم غادي أيزنكوت لتحالفهما السياسي، في مواجه نتنياهو، وهو ينتمي لتيار الوسط، بخلفية أمنية، ويشبه لابيد في توجهاته تجاه القضية الفلسطينية. وتبقى أطروحات لابيد وأييزنكوت حول القضية الفلسطينية بعيدة عن أطروحات اليسار التقليدي في إسرائيل، وإن بقيت أقل تطرفاً من التيار اليميني بقيادة نتنياهو. فما بين استراتيجيتي إدارة الصراع وحله، يبدو عامل الزمن فقط هو الفيصل، والمحدد لمستوى التشدد بين نتنياهو وبينت ولابيد، ومن يدور في أفلاكهم.
يترأس أيزنكوت حالياً لحزب "ياشار"، بعد انسحابه من حزب أزرق أبيض بقيادة بيني جانتس، لكنه لم يحسم موقفه بعد من الإنضمام لتحالف "معاً". كما يعد حزب جانتس أيضاً قريب في توجهات تحالف بينت – لابيد، دون أن يحدد موقفه بعد من الانضمام لتحالف "معاً". إلا أن جميع تلك الأحزاب، بما فيها أيضاً "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان تجمع على موقف موحد يتعلق باسقاط نتنياهو، وهو ما جمع هؤلاء جميعاً، بما فيهم حزبي جانتس وليبرمان للمشاركة في الائتلاف الحكومي لتحالف بينت لابيد في الماضي.
من المتوقع أيضاً أن يدعم تحالف "الديمقراطيين" تيار المعارضة ضد نتنياهو في الانتخابات القادمة. تشكل التحالف من يسار الوسط واليسار اليبرالي، والممثل بحزبي العمل وميرتس على التوالي في العام ٢٠٢٤، تحت قيادة الأول، ممثلا بـ يائير غولان. تاريخياً، حكم حزب العمل، الاشتراكي الليبرالي، إسرائيل منذ تأسيسها، إلى أن صعد حزب الليكود اليميني القومي، إلى السلطة في العام ١٩٧٧، بقيادة مناحم بيغن، وهزم الحزب الأول في تطور وصف بالانقلاب. وبقي التنافس المتوازن بين الحزبين بعد ذلك إلى حين جرى توقيع إتفاق أوسلو، حيث تبنى حزب العمل التسوية السلمية مع الفلسطينيين ضمن شروط أمنية بينما رفضها الليكود.
منذ ذلك الوقت، بدأت تخفت مكانة حزب العمل، في حين تصاعدت يمينية المجتمع الإسرائيلي، وبحلول عام ٢٠٢٢ حصد حزب العمل أربعة مقاعد فقط، بعد أن كان لعقود الحزب الحاكم. وفشل حزب ميرتس، اليساري التقدمي، في تلك الانتخابات، في تخطى نسبة الحسم والدخول في الكنيست، لأول مرة منذ تشكله في العام ١٩٩٢. ويختلف الحزب الأخير عن باقي الأحزاب اليهودية في إسرائيل، بما فيها حزب العمل، فهو ينادي بانهاء الاحتلال ويعارض التوسع الاستيطاني. من الواضح أن تركيبة أحزاب المعارضة تعد أكثر ليونة ودبلوماسية في التعامل مع الفلسطينيين وفي القضايا الإقليمية، مقارنة مع سياسة حكومة نتنياهو بتركيبتها الحالية. وتمر القضية الفلسطينية منذ وصولإئتلاف نتنياهو الحاكم للحكم بأسوء حالاتها، بينما تشهد المنطقة الإقليمية حالة من التوتر والحروب لم تمر منذ عقود.
يستبعد لابيد وبينت حتى الآن ضم فلسطينيين لقائمتهما المشتركة "معاً"، كما جرى في الانتخابات التي ربحاها من قبل في مواجهة نتنياهو. إلا أن ذلك لا يلغي الدور الفلسطيني المهم في الانتخابات القادمة للإطاحة بحكومة نتنياهو. في نظام سياسي يُعد فيه كل صوت مصيرياً، تبدو جلية أهمية أصوات الفلسطينيين في أراضي ال٤٨ في الانتخابات. فتصاعد أعداد الفلسطينيين، ووحدتهم ومشاركتهم السياسية من شأنه ليس فقط تحقيق مصالحهم الداخلية، في منطقة يشكلون فيها الأقلية الأكبر، والتي تتعدى نسبة خمس السكان، وإنما أيضاً لأنهم قد يصبحون عامل ضغط مستقبلي على سياسة الحكومات الاسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
من المألوف في إسرائيل سقوط الحكومة قبل استكمال موعد ولايتها، والمحدد وفق القانون بأربع سنوات، والذهاب لانتخابات برلمانية مبكرة. فتُعد إسرائيل من أكثر الأنظمة البرلمانية هشاشة بسبب طبيعة النظام الانتخابي، الذي يعتمد التمثيل النسبي الكامل، في دائرة انتخابية وطنية واحدة، ونسبة حسم منخفضة نسبياً تصل حالياً لـ ٣.٢٥ في المائة. أدى ذلك لتواجد عدد كبير من الأحزاب داخل الكنيست، وتشكيل الحكومات على أساس ائتلافات حزبية، والتي غالباً ما تتشكل بأغلبية بسيطة. يأتي ذلك في ظل انقسامات بنيوية حادة داخل المجتمع، تترواح بين الديني والعلماني واليهودي الشرقي والغربي، واليهودي وغير اليهودي.
يعطي ذلك النظام الانتخابي مكانة للأحزاب او التحالفات الكبيرة، المصنفة كقوة ثانية أو ثالثة، في تعطيل تشكيل الحكومة، إن رفضت الانضمام لأحد المتنافسين الرئيسيين. كما يمنح ذلك الوضع الأحزاب الصغيرة أيضاً مكانة مهمة، وقدرة كبيرة على المساومة لتحقيق مصالحها، عندما يعني انسحابها من الحكومة سقوطها. في ظل هذا النظام، بدا الوضع السياسي أشد هشاشة، وانعكس في حالة من عدم الاستقرار، سادت ما بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٢، فشهدت البلاد خمسة انتخابات تشريعية، بسبب اتفاق العديد من الأحزاب على اسقاط نتنياهو، كشخصية سياسية مثيرة للجدل داخلياً. واستطاع الأخير الوصول للحكم في العام ٢٠٢٢، والاحتفاظ بائتلافه الحاكم مع حالة من التوتر والحروب منذ ذلك الوقت، التي تضمن في العادة تماسك المجتمع. تشهد الفترة الحالية والتي تسبق الانتخابات القادمة، وضعاً مشابهة من الاتفاق الواسع بين المعارضة على اسقاط حكومة نتنياهو، ومرحلة مساءلة حول جدوى ونتائج سياسة الحروب والتصادم مع المحيط واستفزاز العالم.
يتجه الفلسطينيون في أراضي ال٤٨ لتشكيل قائمة مشتركة، من الأحزاب الفلسطينية، لخوض الانتخابات القادمة. فبعد تظاهرة حاشدة وإضراب واسع شهدته مدينة سخنين مطلع العام الجاري، بسبب انتشار الجريمة والقتل في المجتمع الفلسطيني بشكل واسع، في ظل تغافل وتواطؤ الحكومة والشرطة الاسرائيلية، عبر الفلسطينيون، بأغلبية واسعة عن رغبتهم بخوض أحزابهم للانتخابات التشريعية الإسرائيلية بقائمة مشتركة. وبالفعل وقّعت الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل، في تلك المناسبة، تعهداً لاعادة العمل بالقائمة المشتركة، ممثله برئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حداش" أيمن عودة، ورئيس الحركة العربية للتغيير "تعال" أحمد الطيبي، ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي "بلد" سامي أبو شحادة، ورئيس القائمة الموحدة "راعم" منصور عباس.
تتوقع استطلاعات الرأي الأخيرة لقائمة مشتركة فلسطينية فوزاً كبيراً يرفع نسبة تمثيل الفلسطينيين في البرلمان الإسرائيلي من ١٠ مقاعد إلى ١٥ مقعد، وقد تصبح القائمة المشتركة القوة الثانية أو الثالثة في البرلمان من حيث حجمها وتمثيلها. وتشكل تجربة إقامة "القائمة المشتركة" سابقاً تأكيداً على أهمية مبدأ الوحدة بين الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل في انتخابات الكنيست. وتأسس ذلك التحالف في العام ٢٠١٥، وضمّ أبرز الأحزاب الفلسطينية، وحصد أكبر تمثيل برلماني للفلسطينيين. حصلت "القائمة المشتركة" في ذلك العام على ١٣ مقعداً، وارتفع ذلك العدد إلى ١٥ مقعد في العام ٢٠٢٠، وباتت بذلك القائمة المشتركة ثالث أكبر كتلة برلمانية في الكنيست، قبل أن تتفكك قي الانتخابات التالية.
قد يرتفع عدد المقاعد أكثر كلما ازدادت نسبة المشاركة الفلسطينية في التصويت خلال الانتخابات. وهناك علاقة طردية بين وحدة وتكاتف الأحزاب الفلسطينية في أراضي ال٤٨ في الانتخابات وبين ارتفاع نسبة المشاركة الشعبية. في انتخابات الكنيست عام ٢٠١٥ بلغت نسبة المشاركة الفلسطينية نحو ٦٣.٥ في المائة، واعتبر ذلك من بين أعلى نسب المشاركة في تاريخ انتخابات الكنيست الحديثة. وفي العام ٢٠٢٠ بلغت نسبة المشاركة ٦٤.٨ في المائة. في حين تراوحت تلك المشاركة في انتخابات عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٢ بين ٤٤.٦ و٥٣.٢ في المائة على التوالي، الأمر الذي يثبت المقاربة السابقة.
ويمثل الفلسطينيون في الكنيست الحالي بكتلتين فقط، إثر خوض الأحزاب الفلسطينية الانتخابات السابقة في العام ٢٠٢٢، بقوائم منفصلة. وحصلت القائمة العربية الموحدة "راعم" على ٥ مقاعد، كما حصل تحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير "حداش – تعال"على ٥ مقاعد، في حين فشل حزب التجمع الوطني الديمقراطي "بلد" في تجاوز نسبة الحسم، ليبلغ بذلك مجموع التمثيل الفلسطيني في الكنيست الحالي ١٠ مقاعد من أصل ١٢٠، وهو تمثيل أدنى من نسبة تمثيل الفلسطينيين الفعلي في المجتمع.
ينقسم التوجه الفلسطيني داخل إسرائيل تاريخياً بين المشاركة في الحياة السياسية، ويمثله راعم وتعال وحداش، ومقاطعتها ويمثله الجناح الشمالي للحركة الإسلامية وبعض التيارات القومية الفلسطينية. دخل منصور عباس قائد الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، البراغماتي المؤيد للمشاركة السياسية، ائتلافاً حكومياً إسرائيلياً في العام ٢٠٢١ الى جانب تحالف بينت - لابيد، لأول مرة في تاريخ المشاركة السياسية الفلسطينية في إسرائيل، الأمر الذي تتحفظ عليه الأحزاب الفلسطينية أخرى. على الجانب الأخر يمثل رائد صلاح الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، الأقرب للخطاب الإسلامي-الوطني التقليدي، ويرفض المشاركة في الكنيست.
بدأت المشاركة العربية في انتخابات الكنيست منذ الانتخابات الأولى في إسرائيل في العام ١٩٤٩، وكان ذلك من خلال قوائم فلسطينية يهودية، كالتيار الشيوعي العربي-اليهودي، ولم تكن المشاركة الفلسطينية في حينه من خلال أحزاب مستقلة، واستمر ذلك حتى العام ١٩٨١. تطور التيار الشيوعي العربي-اليهودي لاحقًا إلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حداش" التي تأسست في العام ١٩٧٧، وظلت إطاراً جامعاً يركز على المساواة وإنهاء الاحتلال. كان أول بروز لقائمة ذات طابع فلسطيني وطني مستقل في القائمة التقدمية للسلام خلال انتخابات عام ١٩٨٤، حيث فازت بمقعدين. تأسس الحزب الديمقراطي العربي في العام ١٩٨٨ بقيادة عبد الوهاب دراوشة، ورفع شعارات مثل حق تقرير المصير الفلسطيني والمساواة المدنية للفلسطينيين داخل إسرائيل. في منتصف تسعينيات القرن الماضي، ظهر التجمع الوطني الديمقراطي "بلد " كحزب قومي فلسطيني. كما نشأت الحركة العربية للتغير "تعال" في العام التالي. وانقسمت الحركة الإسلامية الجنوبية "رعم " عن الحركة الإسلامية في ذات العام.
يمثل التوجه بتشكيل قائمة عربية مشتركة في الانتخابات القادمة، إن اكتمل، أداة مهمة لإزاحة حكومة نتنياهو، من خلال تغيير خريطة الانتخابات بالكامل، بإعادة ترتيب عدد المقاعد الـ ١٢٠ للكنيست، بحيث يحرم ذلك تحالف نتنياهو من حصد عدد ٦١ مقعد، وهو العدد الأدنى المطلوب الذي يسمح له بتشكيل الحكومة، ويلزم تكتل المعارضه بالتنسيق مع الفلسطينيين.


