بعد الحرب العالمية الثانية كان هنالك جدل في أميركا: هل من الأفضل لمصالحها قبول قرار تقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل، أم أن ذلك سيؤثر بشكل سلبي على علاقاتها بالعرب؟
في المسألة الأولى اختار الرئيس الأميركي هاري ترومان الاعتراف بإسرائيل عملاً بنصيحة مستشاره السياسي كلارك كليفورد، الذي كان يصف نفسه بأنه صهيوني مسيحي، وتتلخص نصيحته في أن أصوات اليهود في نيويورك تحديداً لها أهمية كبيرة لفوزه بولاية انتخابية ثانية، وبأن عليه أن يلتزم بقرار الأمم المتحدة، وبأن الاعتراف بإسرائيل مسألة أخلاقية بعد الهولوكوست.
هذا الاعتراف كان يتعارض مع ما أوصى به وزير الخارجية جورج مارشال، الذي جادل بشدة أن الاعتراف سيضر بمصالح أميركا في الشرق الأوسط بما في ذلك علاقاتها مع الدول العربية وإمدادات النفط. مارشال اتهم كليفورد بالتعامل مع قضية خطيرة في السياسة الخارجية بمنطق انتخابي وقال للرئيس ترومان: إنه سيصوت ضده في الانتخابات إذا اعترف بإسرائيل.
وبعد سنوات، سعت الولايات المتحدة بشدة لاستمالة جمال عبد الناصر وإبعاده عن الاتحاد السوفياتي. ووفقاً لرواية ضابط الاستخبارات الأميركي السابق مايلز كوبلاند، قَدمت الوكالة في عهد الرئيس أيزنهاور رشوة مالية قيمتها ثلاثة ملايين دولار لعبد الناصر، في محاولة للتأثير في سياساته. لكن عبد الناصر رفض الخضوع للولايات المتحدة واستخدم المال لبناء برج القاهرة.
الولايات المتحدة من جانبها لم تيأس من محاولة استمالة عبد الناصر، حيث وقف الرئيس أيزنهاور، بقوة ضد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956. لكن رفض أميركا لتسليح الجيش المصري ورفضها لدعم مصر لحركات التحرر الوطني خصوصاً في الجزائر، ورفض مصر للاعتراف بإسرائيل لم يترك الكثير من المساحة لتطوير العلاقات بين البلدين.
بعد هزيمة إسرائيل للدول العربية العام 1967 انزاح الموقف الأميركي كُلياً إلى جانب إسرائيل. وخلال العقود الست المنصرمة، لم يعد مهماً للولايات المتحدة إرضاء العرب أو محاولة كسب ودّهم. وكانت النتيجة إطلاق يد إسرائيل في لبنان لتدميره العام 1982، احتلال العراق وتدميره العام 2003، تدمير ليبيا العام 2011، المساهمة في تدمير سورية منذ العام 2011 إلى حين سقوط النظام نهاية العام 2024، والمساهمة في تدمير اليمن العام 2025.
بالطبع القول إن أميركا دمرت أو ساهمت في تدمير هذه الدول لا يعني مطلقاً أن قادة هذه الدول لا يتحملون المسؤولية عن الدمار الذي لحق ببلدانهم، لكن بيت القصيد هنا، هو أن الدمار الذي لحق بالعالم العربي كانت لأميركا مساهمة كبيرة فيه.
اليوم يتكرر مشهد الدمار في الخليج العربي. البعض يريد أن ينسب ذلك لإيران، لكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة شنت حرباً على إيران بناء على طلب إسرائيل، وأنها كانت تعلم أن هذه الحرب ستتسبب في إلحاق الكثير من الأذى لدول الخليج العربي والعراق وحتى الأردن لأن قواعدها العسكرية منتشرة في هذه الدول، ولأن حرباً هدفها الإطاحة بالنظام في إيران ستستدعي رداً يتناسب مع حجم التهديد الذي يتعرض له النظام الإيراني.
الولايات المتحدة إذاً، لا تكثرت بالعرب ومصالحهم. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة هو: ما الذي يُمكن للعرب أن يفعلوه لحماية دولهم وشعوبهم ومصالحهم.
هنالك ثلاث خطوات يمكنهم القيام بها:
أولاً: طالما أن الولايات المتحدة لا تكثرت بمصالحهم، فلماذا يجب أن يكترث العرب بمصالحها. يترتب على ذلك إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في بلدانهم، وتحويل استثماراتهم من الولايات المتحدة إلى دول أخرى تُقيم وزناً لهم وتهتم بالعلاقات معهم. ربما ينتج عن تحويل الاستثمارات العربية خارج أميركا خسائر مالية كبيرة، لكن دول الخليج العربي خسرت من الحرب على إيران ما يفوق، ربما، استثماراتها جميعها في الولايات المتحدة.
يضاف لذلك أن القواعد العسكرية أصبحت عبئاً عليها وتهديداً لها وليست مصدراً لحمايتها. يفيد تقرير حديث صدر عن البنتاغون، الإثنين الماضي، بأن الضربات الإيرانية لهذه القواعد دمرت مئات المباني وعشرات الطائرات الحربية بما فيها طائرات F-15 E وطائرات F-35 ومعدات بقيمة تتجاوز 3.7 بليون دولار، والتقرير ربما لا يشير إلى حجم الخسائر الحقيقية.
هذه الخسائر أحدثت نقاشاً في دوائر صنع القرار الأميركي لجهة إعادة نشر القوات الأميركية في الشرق الأوسط بعيداً عن إيران. بمعنى أن الولايات المتحدة نفسها تريد إبعاد قواعدها عن دول الخليج العربي. فلماذا تنتظر الدول العربية القرار الأميركي ولا تبادر هي في إغلاق هذه القواعد؟
ثانياً: التفاهم مع إيران على ترتيبات أمنية لمنطقة الخليج. هذا يتطلب اتخاذ خطوات تتجاوز الفيتو الأميركي على هذا الحوار. ربما تشعر دول الخليج العربي تحديداً بأن ميزان القوى بينها وبين إيران سيجعل من أي ترتيبات أمنية في صالح الأخيرة. ربما يكون ذلك صحيحاً. لكن إذا تم إدخال تركيا وباكستان وربما مصر أيضاً في هذه الترتيبات، فإن نتائج أي ترتيبات أمنية مشتركة ستكون متوازنة وستحقق ما هو مطلوب منها وهو فتح مضيق هرمز، وضمان عدم اعتداء إيران عليها، خصوصاً إذا ما قامت هذه الدول بإنهاء الوجود الأميركي العسكري فيها.
هذا الحوار، ومعه الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تنتج عنه، سيساهم أيضاً في حل الكثير من القضايا التي تهم الدول العربية خصوصاً في اليمن والعراق ولبنان.
ثالثاً: العودة لجذر الصراع. الدول العربية لا يمكنها تحقيق الاستقرار في سورية ولبنان وفلسطين بتجريم المقاومة واعتبارها امتداداً لإيران. عليها أن تعترف بأن استمرار الاحتلال يخلق مقاومة بوجود إيران أو عدمه. وعليها أن تعترف بأن أميركا ليست وسيطاً لحل الصراع مع إسرائيل بل شريك لها، فهي من تسلحها وتحميها. العودة لأصل الصراع يَخلق أرضية مشتركة مع إيران ويُسهّل بالتالي التفاهم معها، ويعيد البوصلة إلى السبب الحقيقي لمشاكل المنطقة الأمنية، وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.
هذه الخطوات الثلاث تتطلب إرادة سياسية بفك التحالف مع الولايات المتحدة الذي لم ينتج عنه أي شيء يمكن القول إنه كان في مصلحة الدول العربية وشعوبها.