مدار نيوز \
تحولت استطلاعات الرأي في الداخل الفلسطيني المحتل إلى محرك أساسي للمشهد الانتخابي، حيث باتت تتصدر النقاشات السياسية مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري. ولا تقتصر أهمية هذه الاستطلاعات على رصد قوة الأحزاب المتنافسة، بل تمتد لرسم موازين القوى بين المعسكرات السياسية المختلفة واستشراف فرص تشكيل الحكومة المقبلة.
أظهرت التقديرات الأخيرة تقدماً لافتاً لمعسكر التغيير الذي يقوده غادي آيزنكوت، حيث أشارت مصادر إعلامية إلى إمكانية وصول هذا المعسكر بالتعاون مع «القائمة العربية الموحدة» إلى أغلبية برلمانية تتيح الإطاحة بحكومة بنيامين نتنياهو. وبحسب استطلاع حديث، قد يحصل معسكر آيزنكوت على 54 مقعداً، بينما تحصد القائمة الموحدة 7 مقاعد، مما يمنحهما معاً 61 مقعداً لتشكيل الائتلاف الحاكم.
في المقابل، منحت الاستطلاعات «القائمة المشتركة» 9 مقاعد، ليصل إجمالي تمثيل القائمتين العربيتين إلى نحو 16 مقعداً، وهو ما يعزز حضورهما كلاعبين مركزيين في الحسابات الائتلافية. وتتعامل الأحزاب مع هذه الأرقام بجدية بالغة، إذ تنعكس النتائج المتوقعة على إدارة الحملات الانتخابية ومحاولات استقطاب الناخبين المترددين في اللحظات الأخيرة.
أفاد يوسف مقلدة، مدير معهد «ستات نت» للاستطلاعات، بأن التقديرات تشير إلى أن نسبة التصويت في المجتمع العربي قد تصل إلى نحو 68%. وأوضح مقلدة أن هذا الارتفاع في المشاركة سينعكس مباشرة على حجم التمثيل البرلماني للأحزاب العربية، حيث قد تصل حصة القائمة المشتركة إلى 9.5 مقاعد من أصوات الناخبين العرب وحدهم.
أشار مقلدة إلى تطورات لافتة تتمثل في عدم قدرة عدد من أحزاب اليمين المتطرف على تجاوز نسبة الحسم، مما يفتح الباب أمام تغييرات جذرية في موازين القوى. هذا الإخفاق لليمين قد يسهل مهمة المعسكر المنافس لنتنياهو في تشكيل حكومة جديدة، خاصة مع احتمال انضمام القائمة الموحدة لهذا التحالف.
رغم التراجع الملحوظ في قوة حزب «الليكود» ورئيسه بنيامين نتنياهو، حذر مقلدة من احتمالية وجود أخطاء في التقديرات الإحصائية. وأكد أن الليكود قد يحقق نتائج أفضل مما تظهره الاستطلاعات الحالية، مشيراً إلى إمكانية حدوث مفاجآت انتخابية لا يكون فيها تراجع نتنياهو بالحجم المتوقع.
أوضح مدير معهد الاستطلاعات أن نتائج القنوات العبرية الرسمية تبدو الأقرب للواقع مقارنة بالقنوات المحسوبة على اليمين التي تمنح أفضلية لنتنياهو. ورجح أن تكون التقديرات الحالية دقيقة بنسبة تتراوح بين 90% و95%، مع بقاء احتمالية حدوث تغييرات طفيفة في اليومين الأخيرين قبل الاقتراع.
استعرض مقلدة محطات تاريخية لنسب التصويت العربية، مذكراً بأنها وصلت إلى 78% في عام 1999 قبل أن تشهد تراجعاً في سنوات لاحقة. وشدد على أن دقة الاستطلاعات تعتمد على ثلاثة شروط أساسية تشمل طريقة جمع البيانات عبر الهاتف واعتماد نماذج ترجيح إحصائية تأخذ في الحسبان الخصائص الديمغرافية للمجتمع العربي.
أكد الخبير الإحصائي أن اختلاف نسبة التصويت من 60% إلى 72% يمكن أن يغير توزيع المقاعد بشكل جذري حتى لو بقيت توجهات الناخبين ثابتة. وأوضح أن المعهد يعتمد نموذجين رياضيين، أحدهما متحفظ يضع النسبة عند 65%، والآخر متفائل يصل بها إلى نحو 75%، مما قد يرفع تمثيل العرب إلى 19 مقعداً.
في حال تحقق السيناريو المتفائل وارتفاع نسبة التصويت العربية، قد تحصل القائمة المشتركة على 11 مقعداً والموحدة على 8 مقاعد أو أكثر. ويرتبط هذا السيناريو بسقوط الأحزاب الصغيرة التي لن تتجاوز نسبة الحسم، بالإضافة إلى الالتزام الفعلي للناخبين العرب بالتوجه إلى صناديق الاقتراع بكثافة.
حذر مقلدة من محاولات محتملة للتشويش على سير العملية الانتخابية في البلدات العربية، عبر إرسال نحو 2000 مستوطن بهدف إثارة البلبلة. وأشار إلى أن مثل هذه التحركات، وما قد يرافقها من أحداث عنف، تهدف أساساً إلى التأثير سلباً على نسبة التصويت العربية وتقليل فاعليتها في النتائج.
تشير التقديرات إلى أن عدد الأصوات المطلوبة لعبور نسبة الحسم في هذه الانتخابات يتراوح بين 170 ألفاً و178 ألف صوت. ويعد هذا الارتفاع مقارنة بانتخابات عام 2022 عاملاً يجعل أصوات الفلسطينيين في الداخل أكثر تأثيراً وأهمية في تحديد هوية الحكومة القادمة.
يرى مراقبون أن زيادة المشاركة العربية لا تزيد التمثيل البرلماني فحسب، بل تساهم في تقليص فرص معسكر نتنياهو في الوصول إلى 50 مقعداً. هذا التراجع سيجعل من الصعب على رئيس حكومة الاحتلال الحالي إقناع أحزاب أخرى بالانضمام إليه، مما يعمق أزمته السياسية ويهدد مستقبله في السلطة.
ختم مقلدة بتوضيح الآليات التقنية، مؤكداً أن استطلاعات الإنترنت لا تمثل المجتمع العربي بدقة وتظهر فجوات كبيرة مقارنة باستطلاعات الهاتف. وشدد على ضرورة اعتماد أدوات بحثية موثوقة لفهم التوجهات الحقيقية للشارع العربي في الداخل، بعيداً عن التقديرات السطحية التي قد تضلل المتابعين للمشهد الانتخابي.






