مدار نيوز \
شهدت طبيعة الاستجابة للكوارث الطبيعية تحولاً جذرياً مع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي على تحليل صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الطقس المعقدة. ولم تعد التكنولوجيا مجرد أداة لرصد الخطر بعد وقوعه، بل أصبحت وسيلة استباقية تمكن السلطات من تحديد أماكن التهديد وتوجيه فرق الإنقاذ بكفاءة عالية قبل وصول الكارثة إلى المناطق المأهولة.
سلط إعصار أرناب الذي ضرب الساحل الشرقي للهند مؤخراً الضوء على أهمية هذا التحول التقني، حيث نجحت السلطات في إجلاء أكثر من 180 ألف شخص من ولايتي أندرا براديش وأوديشا قبل وصول الإعصار. هذا التحرك الاستباقي ساهم بشكل مباشر في تقليل الخسائر البشرية والمادية، مما يطرح تساؤلات حول آليات توظيف الذكاء الاصطناعي في مواجهة تقلبات المناخ.
ضرب الإعصار ولاية أندرا براديش برياح عاتية بلغت سرعتها 135 كيلومتراً في الساعة، مما تسبب في أضرار واسعة شملت سقوط الأشجار وأعمدة الكهرباء وتعطل النقل. وأكدت السلطات المحلية أن الاعتماد على التقنيات الحديثة ساعد في تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر بدقة متناهية، مما سمح بتركيز جهود الإغاثة في المواقع الحرجة.
أفادت مصادر رسمية بأن فرق القوة الوطنية للاستجابة للكوارث لا تزال في حالة تأهب قصوى للتعامل مع تداعيات الإعصار وتقييم حجم الأضرار. وأشارت المصادر إلى تسجيل 6 وفيات على الأقل، مؤكدة أن التنسيق بين الولايات والحكومة الاتحادية مستمر لتقديم المساعدات اللازمة للسكان المتضررين وتخفيف معاناتهم.
في سياق متصل، أثبتت النماذج الذكية كفاءتها في توقع مسار الأعاصير قبل وقت كافٍ من وصولها، كما حدث مع إعصار ميليسا الذي ضرب جامايكا كإعصار من الفئة الخامسة. وساهمت النماذج التي طورتها مراكز أبحاث تقنية عالمية في دعم توقعات مراكز الأرصاد، حيث تنبأت بقوة الإعصار ومساره قبل 5 أيام من وقوع الكارثة.
تكمن أهمية هذه النماذج في قدرتها على رصد الاشتداد السريع للعواصف التي قد تبدو ضعيفة في بدايتها لكنها تتحول فجأة إلى أعاصير مدمرة. وبفضل دقة التوقعات التي وصلت إلى 100% قبل 3 أيام من وصول الإعصار، تمكن الخبراء من تقييم المخاطر وتنبيه السكان في الوقت المناسب، مما وفر حماية إضافية للأرواح.
في الهند وبنغلاديش، تُستخدم منظومات متطورة للتنبؤ بالفيضانات تعتمد على تقنيات التعلم الآلي لتحليل بيانات الأنهار وارتفاع منسوب المياه. هذه المنظومات تقوم بنمذجة المناطق المهددة بالغرق وتوزيع التحذيرات على ملايين السكان، مما يقلل من مباغتة الفيضانات للمجتمعات المحلية في مواسم الرياح الموسمية.
أفادت مصادر تقنية بأن أنظمة التنبؤ باتت تتيح حالياً رصد الفيضانات النهرية قبل وقوعها بسبعة أيام، والفيضانات الحضرية المفاجئة قبل نحو 24 ساعة. وتعتمد هذه التقنيات على دمج بيانات الأمطار مع خصائص سطح الأرض، مما يمنح الجهات المعنية فرصة ذهبية لاتخاذ تدابير وقائية عاجلة وحماية البنية التحتية.
لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على الأعاصير والفيضانات، بل امتد ليشمل الاكتشاف المبكر لحرائق الغابات، كما حدث في ولاية كاليفورنيا الأمريكية. حيث تمكن نظام رصد آلي من اكتشاف مؤشرات اندلاع نيران قبل تلقي أول بلاغ طوارئ بشري بنحو 40 دقيقة، مما سمح لفرق الإطفاء بالتحرك الفوري.
تعتمد آلية عمل أنظمة رصد الحرائق على كاميرات ذكية ترسل تنبيهات فورية تتضمن الموقع الدقيق ودرجة الثقة في الاكتشاف. ويقوم مراقبون بشريون بمراجعة هذه التنبيهات قبل تحريك فرق الاستجابة، مما يقلل من الاعتماد على البلاغات البشرية المتأخرة ويحد من انتشار الحرائق في مراحلها الأولى.
في المحيط الهادئ، تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في رصد موجات تسونامي الناتجة عن الزلازل القوية، حيث يمكن للأنظمة الذكية رصد اضطرابات إشارات الأقمار الصناعية. وقد نجحت هذه التقنيات في رصد مؤشرات موجات تسونامي متجهة نحو جزر هاواي قبل وصولها إلى أجهزة القياس التقليدية بنحو نصف ساعة.
تعد هذه التقنيات وسيلة مكملة لأنظمة الإنذار المبكر التقليدية التي تعتمد على البيانات الزلزالية وأجهزة الاستشعار في قاع المحيط. وتمنح هذه الدقائق الإضافية المجتمعات الساحلية وقتاً ثميناً للإجلاء والاستعداد، كما تساعد في رصد أحداث أخرى مثل الانفجارات البركانية وسقوط النيازك.
في نيجيريا، تم توظيف الذكاء الاصطناعي لتوجيه المساعدات المالية للسكان المهددين بالفيضانات قبل وقوع الكارثة فعلياً. واستخدمت منظمات إغاثية التوقعات المدعومة تقنياً لتحديد العائلات الأكثر عرضة للخطر، مما سمح بتقديم تحويلات نقدية مبكرة ساعدت السكان على تأمين احتياجاتهم قبل ذروة الفيضان.
ساهمت عمليات التسجيل والتحقق عبر الهاتف في توفير تكاليف العمل الميداني وتسريع وصول الدعم إلى آلاف المستفيدين في وقت قياسي. وتؤكد هذه التجارب أن دمج التكنولوجيا مع العمل الإنساني يمثل مستقبل الاستجابة للأزمات المناخية، حيث يصبح الاستعداد المبكر هو المفتاح لتقليل المعاناة البشرية.




