التايتانك تندفع نحو جبل الجليد ..طلال عوكل

التايتانك تندفع نحو جبل الجليد ..طلال عوكل

لا يزال نتنياهو وفريقه، يراهن على أنه يملك ما يكفي من القوة لوقف اندفاع التايتانك نحو جبل الجليد، الأمر الذي حذر منه رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، ومسؤولون آخرون.
قد يرحل نتنياهو وحلفاؤه بعد الانتخابات القريبة القادمة ولكنه وضع إسرائيل على سكة الانهيار المتدرج بعد أن وضع الدولة، بكل مكوناتها السياسية في مواجهة مع المجتمع الدولي، والقوانين الناظمة، بحيث باتت إسرائيل دولة منبوذة، حتى من قبل أقرب حلفائها التاريخيين.
وعلى الرغم من أن الكثير من حلفاء إسرائيل والداعمين لها والحريصين عليها، لا يزالون يلقون اللوم على نتنياهو وحكومته المتطرفة، ويفصلون من انتقادات، واتهامات وربما إجراءات بحقه، وبين استمرار دعمهم لإسرائيل الدولة، إلا أن هذا الفصل لا يعدو كونه مؤقتاً.
خلال السنوات الثلاث منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، قدم نتنياهو وفريقه دولة إسرائيل، بهويتها الحقيقية دون مكياجات أو مساحيق وضعتها الحركة الصهيونية منذ تأسيس الدولة العام ١٩٤٨.
حين تجمع الأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة على سياسة الحرب، والهيمنة والتوسع والاستيطان ورفض حل الدولتين، ورغم حرب الإبادة والتهجير القسري، وانتهاك كل القوانين والأعراف، وتحدي المجتمع الدولي، فإن الهوية الأصلية التي تكشف عن مضامينها لا تعود تخص شخصا أو حكومة يمكن أن يتم استبدالها.
وسواء بقي نتنياهو وائتلافه، أو غادر فإنه قد ترك لمن سيأتي بعده، إرثاً لا يستطيع التنصل منه حتى لو أراد ذلك.
وحتى لو أن خلفاء نتنياهو أرادوا تغيير هذه الهوية عبر مواقف وسياسات مختلفة في محاولة لاستعادة الهوية المزيفة، فإن ذلك، لن يغير القناعات التي ترسخت في الرأي العام العالمي، والذي لا يزال بعد ثمانين سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية يتذكر هيروشيما، ويتذكر الهولوكوست، والفظائع التي ارتكبها هتلر بحق الإنسانية والتدمير الذي شهدته وتشهده غزة، ولبنان وسورية والضفة الغربية؟
الهوية التي كشفت عنها السياسة الإسرائيلية، هي هوية دولة، غير ديمقراطية، دولة احتلال بشع، دولة إرهاب وانتهاك لكل قوانين الدنيا، دولة الحقد على الآخر، دولة  التوسع على حساب الشعوب وتجيد الاغتيالات، وتدبر المؤامرات.
إذا كانت الحكومات والدول قد احتملت التواطؤ والتطنيش على هذه السياسة، باعتبار أن إسرائيل دولة استعمارية وظيفية، تشكل امتداداً لسياسات غربية استعمارية، فإن شعوب تلك الحكومات والدول لم تعد تحتمل، وقد بدأت تعبر عن رأي آخر، هل يتصور أحد، أن دولة وعد بلفور المشؤوم التي لم تتوقف عن تقديم الدعم لعقود طويلة، تتخذ مواقف مخالفة لمسار سياساتها تاريخياً، والأمر ينسحب على فرنسا، الشريكة لبريطانيا في تبني ودعم المشروع الصهيوني، وصاحبة المشروع النووي الاسرائيلي، حتى ألمانيا، المحكومة بعقدة المسؤولية عن الهولوكوست، لم تعد قادرة على الصمود على مواقفها الداعمة كلياً دون شروط، وعميانيا لإسرائيل بهويتها الأصلية.
بريطانيا التي اعترفت مؤخراً بالدولة الفلسطينية دون أن تترجم الاعتراف بخطوات عملية، تتصدر اليوم تحالفاً من اثنتي عشرة دولة اوروبية، لحظر التعامل مع السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وتفرض عقوبات على جهات تدعم توسعها، سواء كانت بنوكاً أو شركات، أو أفراداً.
إلى أن تدخل هذه القرارات حيز التنفيذ الفعلي بعد ستة إلى تسعة أشهر كما تشير المصادر البريطانية، فإن الأهم ما ينطوي عليه الخطاب البريطاني كما جاء على لسان وزير الخاريجة ميليباند، اليهودي الديانة، والذي تحدث عن نهج جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية، واقر بأن إسرائيل تمارس تطهيراً عرقياً في الضفة الغربية يرتكبه مستوطنون ارهابيون، ميليباند يدخل على الخطاب البريطاني لأول مرة مصطلح إرهابيين، ولا يحصر الأمر بأفراد أو زمرة معينة، وكذلك يتحدث للمرة الأولى عن تطهير عرقي، وقد يأتي اليوم لكي يعترف بأن إسرائيل ارتكبت جرائم إبادة.
لا ينطوي على جديد، اعتراف ميليباند بأن المستوطنات غير قانونية، باعتبار ذلك موقفاً قديماً، ولكن الجديد المهم هو أن يربط هذا الموقف بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الصادر العام ٢٠٢٤ وحول الجرائم الإسرائيلية في غزة ولفته النظر إلى وجود دلائل متزايدة على جرائم حرب ارتكبت في غزة، بعد مجرد إشارات، صدرت عن رئيس الحكومة آندي بيرنهام، عن توجه بريطاني نحو مواقف مزعجة لإسرائيل، كان احد المسؤولين الإسرائيليين، وقد يكون نتنياهو قد وصف بريطانيا بأنها الجمهورية الإسلامية البريطانية.
انه النهج ذاته، الذي دأب المسؤولون الإسرائيليون على اتباعه مع من يخالفونهم الموقف، والذي يتميز بالاستهتار، والإهانة، وحتى التهديد، الأمر الذي لم يسلم منه رؤساء أميركيون، أبرزهم ما تعرض له الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما.
حكومة المجانين في تل أبيب قابلت السياسة البريطانية الجديدة، بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس، ومنع برلمانيين بريطانيين من دخول إسرائيل، وإذا كان للبعض أن يعتبر ما يصدر عن بن غفير وسموتريتش مواقف شخصية، فإن وزير الخارجية جدعون ساعر اعتبر الاتهامات البريطانية مستهجنة وكاذبة وتمثل تدخلاً في الشؤون الداخلية والانتخابات.
أما سموتريتش فقد دعا إلى طرد السفير البريطاني، ودعا بن غفير  للاعتراف باحتلال بريطانيا لجزر فوكلاند.
كرة الثلج لا تزال تتدحرج، وهي تكبر كل يوم حتى تصل إلى كونها جبل الجليد الذي تصطدم به التايتانك الإسرائيلية.

أحدث الأخبار