ليست التصريحات السياسية مجرد كلمات تُلقى في الهواء، بل هي رسائل تُمهّد لسياسات، وتُعيد رسم الخرائط قبل أن تتحرك الجرافات أو تُوقَّع الاتفاقيات. ومن هذا المنطلق، فإن تصريح "مجلس السلام" الذي أعلن فيه أنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة" لا ينبغي التعامل معه باعتباره موقفًا إداريًا يتعلق بوكالة إغاثة، وإنما باعتباره إعلانًا سياسيًا يحمل في طياته تصورًا جديدًا لمستقبل غزة، وللقضية الفلسطينية بأكملها.
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى دعوةً للانتقال من الإغاثة إلى التنمية، لكنها في عمقها تطرح سؤالًا أكثر خطورة: من يملك حق إعادة تعريف غزة؟ ومن يملك حق إنهاء الدور الذي أُنشئت الأونروا من أجله بقرار أممي؟
فالأونروا ليست مجرد مؤسسة توزع المساعدات الغذائية أو تقدم الخدمات الصحية والتعليمية، بل هي الشاهد القانوني والسياسي على وجود قضية لاجئين لم تُحل منذ عام 1948. ووجودها المستمر يعني أن المجتمع الدولي ما زال يعترف بأن هناك شعبًا اقتُلع من أرضه، وأن هذا الملف لم يُغلق بعد.
لذلك، فإن الحديث عن إقصاء الأونروا لا يعني استبدال مؤسسة بأخرى، بل يمثل محاولة لنقل القضية الفلسطينية من إطارها القانوني والحقوقي إلى إطار اقتصادي وتنموي، وكأن المشكلة تكمن في الفقر لا في الاحتلال، وفي المساعدات لا في الأسباب التي فرضت الحاجة إليها.
إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يسعى إلى إعادة صياغة الوعي قبل إعادة إعمار الحجر. فحين يصبح اللاجئ "مستفيدًا من مشروع تنموي" بدل أن يكون صاحب حق سياسي وقانوني، تتغير طبيعة القضية تدريجيًا، وتتحول الحقوق التاريخية إلى برامج تمويل قابلة للإلغاء أو الاستبدال.
كما أن استبعاد الأونروا يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الخدمات الأساسية لمئات الآلاف من الفلسطينيين، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية في غزة بالغة التعقيد، وما زالت الأمم المتحدة تؤكد أن الوكالة تؤدي دورًا لا يمكن استبداله بسهولة في خدمة اللاجئين الفلسطينيين.
سياسيًا، يبدو التصريح جزءًا من رؤية أوسع تسعى إلى بناء نموذج جديد لإدارة غزة بعد الحرب، يقوم على مؤسسات بديلة، وآليات تمويل مختلفة، وإعادة تشكيل المشهد السياسي والإداري بما يتوافق مع التصورات المطروحة لما يسمى "غزة الجديدة". غير أن نجاح أي مشروع سياسي لن يقاس بحجم الأموال المخصصة له، بل بقدرته على احترام الحقوق الوطنية، والإرادة الفلسطينية، والشرعية الدولية.
لقد أثبت التاريخ أن تغيير أسماء المؤسسات أسهل بكثير من تغيير حقائق التاريخ. فالقضية الفلسطينية لم تستمر لأن الأونروا موجودة، بل بقيت الأونروا لأنها شاهد على استمرار القضية.
ولهذا، فإن مستقبل غزة لا ينبغي أن يُبنى على محو الذاكرة أو استبدال الرموز القانونية، وإنما على معالجة جذور الصراع وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. فإعادة الإعمار ضرورة، لكن إعادة تعريف الحقوق ليست حقًا لأحد.
في النهاية، قد يكون تصريح اليوم بداية مرحلة جديدة من الصراع، لا على الأرض وحدها، بل على الرواية والهوية والشرعية. فالمعركة القادمة قد لا تكون حول من يحكم غزة فقط، بل حول من يملك حق تعريف القضية الفلسطينية نفسها.
