الاستراتيجية الخفية.. إسرائيل تتهيأ لعقود من الحروب المفتوحة

الاستراتيجية الخفية.. إسرائيل تتهيأ لعقود من الحروب المفتوحة

2026 Aug,20

منذ هجوم السابع من أكتوبر، تصاعد الجدل داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية بشأن الحاجة إلى إعادة النظر في العقيدة الأمنية التي حكمت إسرائيل لعقود. ويرى كاتب المقال، عوفر شيلح، أن النقاش الدائر لا يقتصر على تطوير أدوات مواجهة التهديدات، بل يتعلق بسؤال أعمق يتمحور حول هوية الدولة وطبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه، لأن الاستراتيجية الأمنية، بحسب رأيه، لا تُصاغ فقط استناداً إلى المخاطر الأمنية، وإنما تنبع أيضاً من تعريف الدولة لنفسها ومصادر قوتها وقيمها الأساسية.

ويشير شيلح إلى أن إسرائيل لم تعتمد تاريخياً استراتيجية أمن قومي مكتوبة ومعتمدة رسمياً على غرار ما هو معمول به في دول أخرى، بل استندت إلى مجموعة من المبادئ والعقائد التي تطورت مع الوقت. إلا أن تداعيات السابع من أكتوبر، إلى جانب التوجهات السياسية السائدة داخل الحكومة الحالية، دفعت نحو بلورة ما يصفه الكاتب بـ"الاستراتيجية الأمنية الجديدة"، التي بدأت ملامحها تظهر من خلال السياسات والتصريحات والإجراءات العسكرية الإسرائيلية.

ويجادل الكاتب بأن هذه المقاربة الجديدة تختلف جذرياً عن الرؤية التقليدية المنسوبة إلى ديفيد بن غوريون، والتي قامت على تحقيق انتصارات عسكرية سريعة تتيح لإسرائيل العودة إلى فترات طويلة من الاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع الحرص على المحافظة على الشرعية الدولية والتحالفات السياسية. في المقابل، تقوم الاستراتيجية الجديدة، وفقاً لتحليله، على اعتبار أن إسرائيل تعيش في بيئة عدائية دائمة، وأن عليها الاستعداد لحالة صراع مستمر ومفتوح، مع توسيع نطاق العمل العسكري خارج حدودها المباشرة ومنع الخصوم من بناء أي قدرات قد تُستخدم مستقبلاً ضدها.

ويرى شيلح أن هذا التحول يستند إلى عدة افتراضات رئيسية، أبرزها الاعتقاد بأن العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل أصبحت واقعاً دائماً لا يرتبط بسياساتها بقدر ما يرتبط بمتغيرات خارجية، وأن الردع والإنذار المبكر لم يعودا كافيين لمنع التهديدات، ما يستدعي اتباع سياسة هجومية استباقية دائمة. كما يستند إلى توسيع مفهوم الأمن ليشمل إقامة مناطق عازلة خارج الحدود الإسرائيلية والحفاظ على وجود عسكري مستمر فيها.

وينتقد الكاتب هذه التوجهات، معتبراً أنها تتجاهل الأثر الكبير للسياسات الإسرائيلية نفسها في تشكيل البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، كما أنها تفرض أعباء اقتصادية واجتماعية وعسكرية متزايدة قد يصعب على الدولة تحملها على المدى الطويل. ويحذر من أن التحول نحو نموذج "الدولة المحاربة باستمرار" قد يؤدي إلى استنزاف الجيش والاقتصاد، وإضعاف التماسك الداخلي، وإلحاق الضرر بنموذج "جيش الشعب"، فضلاً عن زيادة العزلة الدولية.

كما يرفض شيلح الربط بين فشل السابع من أكتوبر وبين ما يُسمى بالاستراتيجية الأمنية التقليدية، معتبراً أن الخلل كان في التنفيذ والتقدير العملياتي والاستخباري، لا في المبادئ الأساسية ذاتها. ويرى أن استبدال تلك المبادئ بعقيدة تقوم على الحرب المفتوحة والمستمرة لن يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الأمن، بل قد يفاقم التحديات القائمة.

ويخلص الكاتب إلى أن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية مواجهة التهديدات، بل بالسؤال الأساسي: أي نوع من الدول تريد إسرائيل أن تكون؟ ففي حين قامت رؤية بن غوريون على الجمع بين القوة العسكرية والشرعية السياسية والاجتماعية، فإن الرؤية الجديدة، بحسب وصفه، تدفع نحو نموذج أقرب إلى "أسبرطة" الحديثة، حيث تُسخَّر موارد الدولة ومجتمعها بصورة متزايدة لخدمة صراع دائم. ويحذر من أن هذا المسار قد يشكل في النهاية تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي نفسه، لأنه يمس أسس القوة الداخلية التي تقوم عليها الدولة.

أحدث الأخبار