لم يعد الاتفاق الإطاري المؤقت الذي أعلن عنه في ١٧ من الشهر الجاري بين الولايات المتحدة وإيران مجرد محاولة لإحياء المسار النووي أو استنساخ اتفاق عام 2015، بل جاء إطاراً سياسياً وأمنياً واقتصادياًً لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة رسم توازنات الإقليم. فالتوقيت الذي جاء فيه الاتفاق، عقب موجة تصعيد واسعة ارتبطت بلبنان، كما أن طبيعة بنوده مقارنة بالاتفاق النووي السابق، تشير إلى أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على معالجة الملف النووي، وإنما يمتد لاحتواء بؤر التوتر التي تتداخل ملفاتها في إيران وجوارها ولبنان وغزة وإسرائيل، وربما النظام السياسي الفلسطيني نفسه. كما أن ما تضمنه الاتفاق من ترتيبات تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة دمج إيران تدريجياً في المنظومة الاقتصادية عبر آليات استثمارية مقترحة، يضفي عليه بعداً اقتصادياً واستراتيجياً يتجاوز حدود التفاهم النووي التقليدي.
أكد الاتفاق على انهاء كافة الاعمال العسكرية، بما فيها في لبنان، والانسحاب الأميركي من محيط إيران ورفع الحصار البحري عنها. في المقابل توفر إيران المرور الآمن في مضيق هرمز للسفن التجارية مجاناً لمدة ٦٠ يوماً، وتنسق بعد ذلك حق المرور مع عمان وفق القانون الدولي. وتتعهد الولايات المتحدة باحترام سيادة إيران وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفع الحاصرعنها بكافة أشكاله وجميع العقوبات المفروضة عليها. يؤجل الاتفاق البت بتفاصيل الملف النووي، ليتم ذلك عبر المفاوضات خلال ٦٠ يوماً قابلة لتجديد. كما نص الاتفاق على وضع خطة لاعمار إيران بالتعاون مع شراكائها الإقليميين، والذي يشير لدمج إيران في المنظومة الإقليمية والقبول بها لاعباً اساسياً فيها.
ومن هذا المنطلق، يصعب قراءة الاتفاق بوصفه وثيقة ثنائية بين واشنطن وطهران فقط، إذ تتقاطع معه مجموعة من التطورات التي شهدتها المنطقة في توقيت متزامن؛ بدءاً من الضغوط الأمريكية لوقف التصعيد الإسرائيلي في لبنان حفاظاً على فرص انجاح الإتفاق، مروراً بالترتيبات المطروحة لإدارة غزة بعد الحرب، وتفعيل المسار الدولي الخاص بترتيبات اليوم التالي في غزة، وصولاً إلى الحراك العربي بشأن إعادة إعمار القطاع، وإعلان السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات المجلس الوطني ضمن سياق يتقاطع مع الدعوات الدولية لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني. وفي المقابل، تستمر الحكومة الإسرائيلية في تبني مقاربة عسكرية في غزة ولبنان، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى احتمال دخول إسرائيل مرحلة سياسية جديدة قد يكون لها أثر مباشر في مستقبل تنفيذ الاتفاق نفسه.
جاء الإعلان عن التوصل إلى اتفاق إطاري بين الولايات المتحدة وإيران بعد موجة تصعيد إسرائيلي في لبنان. وربطت إيران أي تفاهم مع واشنطن بإنهاء القتال بين إسرائيل ولبنان، وهددت في مطلع شهر حزيران الجاري بالانسحاب من المفاوضات بسبب هذا التصعيد، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التدخل لمنع ضربة إسرائيلية أوسع على بيروت. جاء هذا الإعلان بالتوصل إلى الاتفاق، بعد أسابيع من عجز البلدين عن ذلك في أعقاب وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية. ويعد الاتفاق انجازاً حقيقياً بعد سلسلة من محاولات احتواء التصعيد الإقليمي التي تعثرت أكثر من مرة بسبب استمرار التصعيد وتجدد المواجهات في مضيق هرمز ومحيطه، وكذلك على الجبهة اللبنانية. بخلاف اتفاق عام 2015 الذي انصب بصورة رئيسية على البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع العقوبات عن إيران، يقوم الاتفاق الإطاري الحالي بين واشنطن وطهران على مقاربة أوسع تتجاوز الملف النووي ورفع العقوبات إلى ترتيبات أمنية واقتصادية وإقليمية. يمهد الاتفاقات الطريق لمفاوضات أكثر تفصيلاً في الملف النووي. يجمع الاتفاق الإطاري الحالي بين تثبيت وقف التصعيد، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، واستئناف صادرات النفط الإيرانية، ورفع العقوبات عنها، وتهيئة آليات لإعادة دمج إيران في المنظومة الاقتصادية عبر ترتيبات استثمارية مقترحة. يكشف توقيت الاتفاق وتفاصيله، أنه لم يأت ليطرح تسوية نهائية للملف النووي، والذي جاء به الاتفاق النووي عام 2015، بقدر ما جاء استجابة لتغيرات فرضتها الحرب الأخيرة وارتفاع كلفة استمرارها على مختلف الأطراف.
وبينما اعتبرت طهران أن وقف الحرب في لبنان شرطاً لإنجاح أي تفاهم مع واشنطن، رفضت إسرائيل ربط عملياتها العسكرية بمسار الاتفاق، في حين مارست الإدارة الأمريكية ضغوطاً متزايدة لكبح جماح الحكومة الإسرائيلية في لبنان خشية أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إفشال المفاوضات. تكشف هذه التطورات عن تحول مهم، فقد أصبح السلوك العسكري الإسرائيلي في لبنان عاملاً مباشراً في تحديد مصير اتفاق أمريكي إيراني، بل باتت جزءاً منه، فقد ورد ذكرها في نص الإتفاق، بعد أن كانت المفاوضات السابقة تُدار بمعزل عن سياسة إسرائيل، ويعد ذلك تطوراً مهماً، ليس للبنان وحدها، بل لدول أخرى في المنطقة.
رغم أن غزة لم تظهر في نصوص الاتفاق الإطاري بين واشنطن وطهران، إلا أنها تبقى حاضرة، ليست كما كانت لبنان شرطاً مباشراً لاتمامه وجزء منه، وإنما كشرط واقعي لتحقيقه، اذ لا تزال تمثل بؤرة الصراع الرئيسية في المنطقة. وتواصل واشنطن، بالتوازي مع مفاوضاتها مع إيران، تفعيل ترتيبات “اليوم التالي” في غزة من خلال دعم اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المكلفة بإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية. يأتي ذلك في إطار تصريحاتها المعلنة حول ضرورة ترتيب إدارة فلسطينية انتقالية لغزة، مدعومة إقليمياً ودولياً. لا ينفصل ذلك أيضاً، بل يتزامن مع حراك عربي موازٍ، تقوده مصر وقطر بمشاركة تركيا في جهود الوساطة وترتيبات الإدارة الانتقالية، ومساعي السعودية والإمارات ودول عربية أخرى أيضاً لدعم ملف الإعمار، في إطار جهود متكاملة باتجاه دعم الإدارة الفلسطينية الانتقالية لغزة. تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن مرحلة ما بعد الحرب لم تعد تُدار عبر مسارات منفصلة، بل من خلال مقاربة إقليمية مترابطة تتقاطع فيها ترتيبات غزة مع التفاهمات الأمريكية الإيرانية، في إطار أوسع يهدف إلى إعادة بناء منظومة الاستقرار في المنطقة. لم يكن الحراك الفلسطيني الرسمي بعيداً عن هذه المتغيرات، إذ بدا الإعلان عن انتخابات المجلس الوطني، والذي جاء في إطار تحرك فلسطيني سياسي داخلي أوسع، يتعلق بمطالب دولية لإصلاح النظام، يعزز مكانة السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع ترتيبات اليوم التالي في غزة، باتجاه ترسيخ التوجه الدولي لتعزيز بناء الدولة الفلسطينية، بما يتقاطع مع إعلان نيويورك، الذي حظي بتأييد أغلبية كبيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بالعامل الإسرائيلي، الذي يبدو اليوم الأكثر تعقيداً. فالحكومة الإسرائيلية الحالية لا تنظر إلى الاتفاق الإطاري بوصفه مدخلاً لإعادة الاستقرار، وإنما باعتباره تفاهمًا مؤقتاً لا يعالج جوهر المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وقدرات إيران الصاروخية وشبكة نفوذها الإقليمي. ومن هنا، يبرز التباين الواضح مع المقاربة الأمريكية، التي تفضل احتواء التصعيد عبر اتفاق مرحلي، حتى وإن أدى ذلك إلى تأجيل حسم القضايا الخلافية إلى مراحل تفاوضية لاحقة. يتزامن ذلك مع دخول إسرائيل مسار انتخابات مبكرة، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى استمرار تراجع الثقة بحكومة بنيامين نتنياهو، مع بقاء المزاج العام الإسرائيلي متمسكاً بمقاربة أمنية متشددة تجاه إيران. وفي هذا السياق، قد يؤدي استمرار الحكومة الحالية إلى إطالة أمد التوتر الإقليمي وتعقيد فرص تثبيت الاتفاق، في حين قد تتيح حكومة أقل يمينية هامشاً أوسع للتنسيق مع واشنطن، ليس انطلاقاً من موقف أكثر تقبلاً لإيران، وإنما من رؤية أكثر استعداداً لإدارة الخلاف معها عبر تفاهمات منسقة مع الولايات المتحدة.
لم تعد القضية اليوم تتمثل في معرفة ما إذا كان الاتفاق الأمريكي الإيراني سينجح في احتواء البرنامج النووي الإيراني، بقدر ما تتمثل في قدرته على التحول إلى إطار سياسي وأمني يعيد ترتيب ملفات المنطقة مجتمعة. إذا كان الاتفاق قد نجح في فتح نافذة سياسية جديدة، فإن الاختراق الحقيقي يحتاج لحشد طاقات الأطراف المختلفة لترجمته الى خطوات عملية متكاملة، لا تقتصر على إيران، بل تمتد إلى لبنان وغزة وعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل، بما يعيد هندسة المنطقة بمجملها ويخدم مصالح دولها بشكل رئيس.





