يُقدم هذا المقال قراءة نقدية جيو-دينية من منظور علم الاجتماع السياسي، مستلهمًا مأساة أسر الشيخ أحمد بدر الدين حسون، مفتي الديار السورية السابق، على يد تنظيمات التطرف الإرهابي. وتوجه الكاتبة إصبع الاتهام النقدي اللاذع إلى المؤسسات الدينية و”علماء الإسلام” و”علماء تونس” الذين سقطوا في فخ الصمت الانتهازي والارتهان للاستقطاب الطائفي، متخلين عن واجبهم الأخلاقي والشرعي في الدفاع عن قامة فقهية تمثّل خط الاعتدال والتسامح، مما يكشف عورة الخطاب الديني المعاصر وتهافته أمام القوى الظلامية.
كلمات مفتاحية: العلوم السياسية، الشيخ أحمد حسون، علماء الإسلام، علماء تونس، التطرف الديني، العقلانية الفقهية، الصمت المؤسساتي.
مقدمة: خلف القضبان الصدئة وعورة الصمت الإقليمي
خلف قضبان الحديد الصدئة، يتردد اليوم صدى صوت الحق الذي لم تخمد ناره، متجسدًا في محنة الشيخ أحمد بدر الدين حسون؛ القامة الفقهية التي قاربت على الثمانين عامًا من العمر والعطاء. إن المشهد السريالي لمحاكمة هزلية يقيمها متطرفو تنظيم “القاعدة” و”جبهة النصرة” ضد مفتٍ متسامح ومعتدل، لا يمثل مجرد احتجاز مادي لجسد شيخ طاعن في السن، بل هو محاكمة علنية للعقلانية الإسلامية، وإعلان صريح عن سقوط الأخلاق السياسية والدينية للمؤسسات الرسمية والعلماء في عالمنا الإسلامي، وعلى رأسهم علماء تونس الذين آثروا السلامة الباردة على الصدح بكلمة الحق.
خطيئة الاعتدال: لماذا يستهدف الدواعش والخوارج فكر المفتي؟
إن الجرم الوحيد الذي ارتكبه الشيخ حسون في نظر هذه العصابات الإرهابية هو تمسكه بالعقلانية الفقهية ونبذه للتطرف الديني. لقد وقف الشيخ صخرة منيعة أمام استباحة الدماء، محرمًا أي دم سوري بغض النظر عن الدين، العرق، أو المذهب. وتلك في أدبيات “الدواعش” و”الخوارج” جريمة كبرى، لأن دماء مخالفيهم عندهم حلال مستباحة باسم “الجهاد” المشوه.
علاوة على ذلك، حُكم على الشيخ من منطلق أيديولوجي ضيق؛ كونه يتبنى المنهج الأشعري المتصوف، القائم على التزكية والوسطية، وهي خطيئة لا تغتفر عند أتباع القراءات الجامدة لابن تيمية الحراني. لقد كان الشيخ حسون يُعمل عقله في النصوص، مؤلفًا ومفندًا أطروحات الغوغاء والجهلة الذين يفتون لأمراء الحرب مثل الجولاني وعصاباته. إن رفضه الحاسم لمفهوم “جهاد الطلب” القائم على الغزو والتوحش، والذي يعد الركن الأول في دين الخوارج، جعل منه الهدف الأول لسيوفهم الغادرة وقضبانهم المظلمة.
نقد بنيوي: عورة “علماء الإسلام” وتواطؤ الصمت الانتهازي
هنا يبرز السؤال الجيوسياسي والأخلاقي الحارق: ألا يستحق هذا الشيخ وقفة حازمة من الشرفاء ومن “علماء الإسلام” الذين ملؤوا الدنيا ضجيجًا بشعارات الأخوة والنصرة؟
إن النقد الموجه اليوم لعلماء الإسلام مرير ولاذع. لقد تبيّن أن هذه الطبقة الفقهية الكبرى أضحت مرتهنة لأجندات التمويل السياسي ومحاور النفوذ الإقليمي. لقد صمتوا صمت القبور أمام اعتقال مفتٍ شرعي كان يفتي للدولة الوطنية ومؤسساتها وليس “للنظام” بمعناه الضيق، حمايةً للمجتمع من التفكك الطائفي. هذا الصمت المخزي لعلماء العالم الإسلامي هو الذي شرعن تغول التنظيمات الظلامية، وجعل الفتوى سلاحًا بيد الميليشيات بدلاً من أن تكون أداة لحفظ السلم الأهلي.
سقطة “علماء تونس”: من ريادة الزيتونة إلى قوقعة الأيديولوجيا
وعند تفكيك الموقف التونسي، بصفتي باحثة ومواطنة عاينت ارتدادات هذه الأزمات، أجد نفسي مضطرة لتوجيه نقد حاد وقاسٍ لـ “علماء تونس” ومؤسساتها الدينية والجامعية. تونس التي أنجبت جامع الزيتونة، منارة الفكر العقلاني التنويري والاجتهاد المقاصدي، سقط علماؤها بعد عام 2011 في فخ التخندق الحزبي والأيديولوجي الضيق.
لقد انخرط جزء من علماء تونس، إما بالصمت المريب أو بالتواطؤ الضمني، في تبرير ما سمي “بالثورة السورية” حتى وهي ترتدي ثوب القاعدة وداعش، متغافلين عن الفتاوى التكفيرية التي كانت تُهدر دم الشعب السوري وتستهدف رموز اعتداله كالشيخ حسون والشهيد البوطي. إن عجز علماء تونس عن إصدار موقف تاريخي موحد يطالب بالافراج عن المفتي حسون وتجريم ساجنيه، يعكس أزمة بنيوية حادة؛ حيث تخلت النخبة الدينية التونسية عن دورها القومي والإنساني، وتقوقعت في حسابات الربح والخسارة المحلية، متناسية أن الإرهاب الذي يضرب في الشام يمتد عصفه الفكري ليضرب عقول الشباب في القيروان وتونس.
خاتمة ونتيجة: حتمية التاريخ والعدالة المؤجلة
في الختام، يثبت علم السياسة والتاريخ أن محاكم التفتيش السلفية الجهادية لا تصنع دولاً ولا تحمي عقيدة، بل تمهد لخراب العمران وتبديد الأوطان. ندعو الله سبحانه أن يفك ضيقتك يا شيخنا الجليل، وأن يجعل هذا الابتلاء الصعب في ميزان حسناتك، فلم يراعوا شيبتك التي قاربت الثمانين، ولا مقامك العلمي الرفيع.
النتيجة المستخلصة: إن التاريخ يدور دورته الحتمية، وغدًا عندما تنقشع هذه الغمامة عن سوريا وتعود لأصحابها الحقيقيين، سيُفعل بمفتي الإرهاب الحالي ومنظري الفكر الظلامي كما فعلوا بالشيخ حسون. وسيحاسب التاريخ، ومعه العدالة الإنسانية والربيعية، كل من خط بيمينه أو لسانه فتوى أهدرت دم السوريين لمجرد الاختلاف الطائفي. أما الصامتون من علماء تونس والعالم الإسلامي، فلن يرحمهم التاريخ، وسيسجل أنهم خذلوا العقل والاعتدال يوم أن حاصرته بنادق الجهلة.
كاتبة تونسية
